الرأي

عن أي إسلاميين يتحدثون!

نصر الدين قاسم
  • 2810
  • 21

لم يكن لــ “بقايا الإسلاميين” في الجزائر أية فرصة في الانتخابات منذ اندلاع ما عرف بـ “الثورات العربية”، فقد كان الحرص ظاهرا ألا ينالوا أي مكسب مهما كان رمزيا… لقد كانت الأضواء مسلطة على الجزائر عقب الإطاحة بابن علي في تونس، ومبارك في مصر والقذافي في ليبيا، الكل كان يترقب، والبعض يتمنى أن تندلع الشرارة في الجزائر لكن لا شيء من ذلك حدث..

وعليه كانت تشريعيات ماي ألفين واثني عشر محطة لفتت الاهتمام وشغلت المحللين والمتابعين، إذ اعتقد هؤلاء أنها فرصة إسلاميي الجزائر لتسجيل فوز كاسح على غرار ما حدث في تونس ومصر والمغرب، لكن المفاجأة  كانت كبيرة إذ عرفت الأحزاب الإسلامية انتكاسة غير مسبوقة في هذه الانتخابات.. فحتى المقاعد القليلة التي كان يتحصل عليها بعض الأحزاب الإسلامية خسرتها، ولم تفز الأحزاب الإسلامية مجتمعة إلا بنحو اثني عشر في المائة من المقاعد وكانت الرسالة واضحة للجميع…

إن رغبة التحجيم المبرمج كانت ظاهرة للعيان.. فحركة جاب الله على سبيل المثال لا الحصر، والتي كانت مرشحة لتحقيق رقم قياسي في التشريعيات، لم تفز إلا بثلاثة مقاعد فقط في تشريعيات ألفين واثني عشر رغم ارتفاع عدد مناضليها وتمكنها من الانتشار في مختلف ولايات الوطن كما أكد بن خلاف للزميل مسعود هدنة، بينما فازت بثلاثة وأربعين مقعدا في تشريعيات ألفين واثنين وهي فتية، وأضعف ناصرا وأقل عددا..

ويكاد يجمع المحللون والمتابعون والسياسيون في الجزائر أن التشريعيات الأخيرة  كانت مرتبة ومحسومة سلفا لصالح حزب الرئيس حزب جبهة التحرير الوطني، الذي حصد مائتين وواحد وعشرين مقعدا من أصل أربعمائة واثنين وستين مقعدا.. أي بنسبة سبعة وأربعين في المائة..

لكن المفارقة أن الكثير من الذين يجزمون بأن التشريعيات كانت مزورة ويقدمون الأدلة على ذلك، يستندون إليها ويعتمدون على نتائجها وأرقامها ليحكموا على الإسلاميين بالفشل، ويتخذونها دليلا ماديا لتأكيد حكمهم على الإسلاميين بالفشل ورفض الشارع لهم…ذلك لأن تأكيد فشل الإسلاميين كان قرارا لدى السلطة وأمنية لدى الكثير من المحللين والمتابعين في الجزائر..

والحقيقة أن الإسلاميين لم يفشلوا في الجزائر بعد الربيع العربي، بل أُفشلوا قبله بكثير، وبالتحديد بعد الربيع الديمقراطي في الجزائر، وما بقي بعد هذا التاريخ لا يمكن تصنيفهم أنهم إسلاميون أو أنهم يمثلون التيار الإسلامي، إنما يمكن وصفهم بأنهم إسلاميو السلطة المرتبطون بها أساسا لأنها احتفظت بهم كديكور لإضفاء الشرعية على السلطة التي أفرزها انقلاب جانفي سنة ألف وتسعمائة واثنتين وتسعين…

الإسلاميون في الجزائر تلقوا ضربة موجعة عقب وقف المسار الديمقراطي وإلغاء التشريعيات (جانفي عام ألف وتسعمائة واثنين وتسعين)، ومن ثم حل جبهة الإنقاذ (مارس سنة ألف وتسعمائة واثنتين وتسعين) الفائزة بأول انتخابات محلية تعددية (جوان من عام ألف وتسعمائة وتسعين) وبالدور الأول من أول تشريعيات تعددية (ديسمبر من عام ألف وتسعمائة وواحد وتسعين)..

وتوالت الضربات على أكثر الإسلاميين معارضة للسلطة بالتوقيف، والحبس والاعتقال في المحتشدات، ثم خوض فصيل منهم العمل المسلح، فترة التسعينات كانت مفعمة بالأهوال مما أفضى إلى اعتزال عدد لا بأس به من الإسلاميين العمل السياسي، وانقلاب جزء مهم منهم على أعقابهم بالتحول إلى ما عرف بالسلفية العلمية التي تحرم الأحزاب وممارسة السياسة وتحرم الخروج على الحاكم ولو كان جائرا، اقتداء بالتبدل الحاصل في السياسة السعودية التي تحول علماؤها من الترويج للجهاد ودعم الجهاديين، إلى تحريم ذلك وتجريمه ومحاربة الجهاديين…

كما أجهز دستور ألف وتسعمائة وستة وتسعين على ما تبقى من أحزاب سياسية إسلامية، عندما فُرض بموجبه على الكثير منها إدخال تعديلات وتغييرات سواء على اسم الحزب أو بعض من مبادئه، وبرنامجه أو مواد قانونه الأساسي بتنظيم ما عُرف بـ”مؤتمرات التكيف” مع الدستور وخاصة في فقرته  الثالثة التي تمنع تأسيس الأحزاب على أساس “ديني أو لغوي أو عرقي أو جنسي أو مهني أو جهوي… فقد رفضت الكثير من الأحزاب الانصياع لما أسمته “أمر الرجوع إلى بيت الطاعة” ومنها (حركة الأمة بزعامة المرحوم يوسف بن خدة، (الحركة من أجل الديمقراطية في الجزائر، المرحوم أحمد بن بلة)، (والجزائر الحرة المعاصرة أحمد بن محمد)..

وبعد هذا “التطهير الواسع”، لم يبق في الساحة إلا فصيل ضعيف من المنتسبين للتيار الإسلامي الراغبين في السلطة بأي ثمن، ممن قبلوا بالنشاط وفق القواعد التي وضعتها السلطة فظلوا “يتكركرون” يغازلون السلطة تارة ويؤيدونها تارة، وعندما يتجرأ أحدهم يدب الانشقاق في صفوف حزبه فيُطاح بزعيمه أو يفرخ أحزابا أخرى… والحال هذه لا يمكن الحديث عن فشل الإسلاميين في الجزائر، والأولى أن نتساءل ماذا بقي من الإسلاميين في الجزائر أو عن أي إسلاميين نتحدث؟..

مقالات ذات صلة