الرأي

عن الدراما “النازحة”..!!

مروان ناصح
  • 3142
  • 1

قال صديقي الصحفي الجزائري الشاب:- قرأت بالأمس مقالاً عن الإنتاج “الدرامي” السوري لهذا العام.. تعمّد كاتبه أن يضع له عنواناً استفزازياً لأهل هذا الفن، وللقراء العرب معاً.. فهل لك أن تخمن.. أو “تحزر” ما كان هذا العنوان؟!

– “الحب الضائع”؟؟ [عنوان رواية لطه حسين]

لا..

– “غزلان في غابة الذئاب”!! (وهذا عنوان لواحد من أشهر الأعمال السورية وأجرئها)..

لا…

لقد عجزت..!!

– “نزوح الدراما السورية”..!!

عنوان لئيم.. لا يختاره إلاّ “نازح” أو “ابن نازح”.. ولكن.. ماذا أورد في مقاله هذا؟؟

– يقول: إن عدد الأعمال السورية التي ستكون جاهزة في موسم رمضان لهذا العام بلغ 9 مسلسلات.. 4 منها تصور في لبنان، وهي: “حدود شقيقة”.. “سنعود بعد قليل”.. “صبايا” و “أوهام جميلة”.. وقد أخضعت السيناريوهات لعمليات “تطويع” طالت أحداثها وشخصياتها، حتى تصبح ملائمة لتصوير واقع السوريين في لبنان، سواء أكانوا هاربين من بقع الدّم وسحب الدخان، وألسنة النار في بلدهم..!! أم كانوا من المقيمين الذين يعملون هناك، أم من أهالي الشريط الحدودي بين البلدين.. وبالمناسبة.. دعني أتوقف هنا لأسألك: كيف تنظر إلى مثل هذا “التطويع” غير الفني بالتأكيد..؟!

للضرورة (تطويعها)..

ويذكر الكاتب مسلسلاً عنوانه “العبور” ويصفه بأنه خيال علمي”.. ما رأيك..؟

علمي علمك..!!

– ويتطرق إلى الجزء الثالث من مسلسل “الولادة من الخاصرة”، ويقول عنه: إنه كان عصياً على “التطويع” فبقي في أرضه وبيئته، لكن.. هرب منه الممثلون، واستقالت مخرجته رشا شربتجي، وتصدّى لمتابعة عملها مخرج آخر.. فماذا تقول أنت؟؟

المُطَّوع لا يُطوّع.

– ويتحدث عن عمل من البيئة الشامية، معظم صناعه والعاملين فيه_ هم من “طاقم” باب الحارة.. يصور الآن في الإمارات، وقد شيدت له _ في الاستديوهات هناك _ حارة شامية، بكل تفاصيلها ومنمنماتها..!! فهل هذا إيذان بعودة الدراما السورية إلى سجن “الاستديو” بعد زمن مديد من الحرية..؟!

– مالا يعرفه كثير من المشاهدين العرب أنّ مسلسلات البيئة الشامية.. أو “أعمال دمشق القديمة” كلها، كانت تصور في ديكورات مشيدة للحارة بكل مرافقها المعروفة.. لتصور فيها المشاهد الخارجية.. أمّا المشاهد الداخلية، فكانت تصور داخل بيوت قديمة تستأجر لهذه الغاية.. وما أكثر ما تحتفظ الشركات بهذه الديكورات في مستودعاتها، لتخرج وتنصب مع كلّ عمل جديد..

– بقي من الأعمال الـ9  “النازحة” اثنان.. أحدهما بعنوان “زهرة البنفسج” الذي يصور في الأردن.. والثاني “مرايا” الذي سيصور بعد أيام قلائل هنا في الجزائر.. ويخطر لي أن أتساءل: هل تمت عمليات “تطويع” خاصة لهذه المرايا.. حتى تتلاءم مع الواقع الجزائري.. باعتبار أنّ العمل من إنتاج قناة الشروق الجزائرية؟

– عندما التقيت _ منذ شهور هنا _ بأحد أصدقائي من الأدباء الجزائريين البارزين، بعد غياب طويل، وكان قد عاش في دمشق لسنوات عدة، أكدّ لي أنّ بإمكاني أن اكتب مسلسلاً للتلفزيون الجزائري؛ وراح يشجعني على ذلك..!! فقلت له: أحتاج إلى فترة مناسبة لأتعرف على المجتمع الجزائري.. فتبسم وقال مستغرباً: حتى أنت “يا بروتس” واقع في براثن هذا الوهم الكبير؟؟!! صدقني لا فرق بين المجتمع السوري والمجتمع الجزائري.. اللهم إلاّ في “اللهجة”.. وهذه مسألة مقدور عليها.. فهل ترى أنت يا صديقي _ في قول أديبكم البارز هذا _ إجابة شافية عن سؤالك حول “التطويع”..؟!!

كلامه مقنع إلى حدّ بعيد.. ولكنْ.. لماذا لا تكون هذه التجربة تعاوناً، ومشاركة تامة، بين الجانبين في مختلف الأمور الفنية.. لا في المال من جهة.. و”الدراما” من جهة ثانية..؟؟!

– كل تجربة جديدة.. تحتاج إلى خطوة أولى.. إلى دقة خجول على الباب.. فإذا انفتح الباب.. وكان الاستقبال بالترحاب من أهل الدار.. حصلت الألفة.. وطابت “القصرة” _ كما تقولون في الجزائر _ وولدت المشاريع الكبيرة.. ووزعت الأدوار.. وتكاملت الجهود. ومرة أخرى أستشهد بقول لأحد الإعلاميين الجزائريين البارزين، في معرض حديثه عن تطلعات الفنانين الجزائريين إلى حياة درامية نشطة: لو كان الأمر بيدي.. لعرفت كيف أفيد من “الوقت الضائع” للإخوة الفنانين السوريين، و لاستقدمتهم إلى هنا، للقيام بمشاريع تنشيطية كبيرة في مجال الدراما المشتركة.. فليس هناك أفضل من الاحتكاك المباشر، والتعاون المثمر في كل المجالات.. وفي ميدان الفن على وجه الخصوص. والآن.. ما رأيك أنت يا صديقي؟؟

– كلام جميل.. “كلام معقول”.. لاسيما أن الفنانين السوريين لم يتوقفوا عن العمل.. عن الإبداع.. رغم أنّ الكارثة التي حلت ببلدهم، أجبرتهم على اختزال إنتاجهم الدرامي من 50 عملاً في العام.. إلى 9 أعمال فقط.. وأن يرحلوا بأحلامهم بعيداً عن السماء الأولى.. وهو ما سمّاه صاحبنا كاتب المقال بـ (النزوح)!!

– الفنانون _ ومنهم فنانو الدراما _ لا يستطيعون التوقف عن الأحلام.. لأنها الخيوط الذهبية التي تشدهم إلى الحياة.. إلى أبناء الحياة..!! ولعلّ الشاعر الإيطالي “جاكومو ليوباردي” (1798-1837) كان يتكلم بلسان كل واحد من هؤلاء الفنانين، حينما قال: (عندما أشعر أنّ لي قلباً واحداً فإنني أختنق.. فأنا القلوب كلها تدق في قلبي.. أنا الآهات.. أنا الأشجان.. أنا الأحزان.. أنا الأمل..!!)

مقالات ذات صلة