الرأي

عن بسكرة سألوني

بقلم: مشري عمر / عقيد متقاعد
  • 476
  • 0

لقد كانت رحلة استشفاء بين الماء والتاريخ في قلب الجنوب الشرقي الجزائري، حيث تلتقي زرقة الماء بزرقة السماء وبدفء الصحراء وعبق التاريخ.
هناك في مدينة بسكرة الوادعة الجميلة الدافئة التي تطورت واتسعت رقعتها الجغرافية وتضاعفت واحاتها وتشابكت طرقاتها لكنها لم تتغير،
كبرت في العمر ولم تشخ،
بل تجددت وأقيم فيها مركز للراحة والاستجمام والتداوي بالمياه المعدنية التابع للجيش الوطني الشعبي، والذي يجمع بين الراحة الوظيفية، والصحية، والبعد الإنساني.
الذي من خلاله أتيحت لنا فرصة الإطلاع على ما تزخر به هذه الولاية من معالم تاريخية ومتاحف، ومواقع أثرية، وما أكثرها في هذه المنطقة.
ففي ثراها يرقد الصحابي الجليل عقبة بن نافع الفهري فاتح إفريقيا الذي انطلق من الحجاز مع عمرو بن العاص لفتح مصر ثم اتجه إلى ليبيا وتونس وهناك تعلم فنون القيادة العسكرية وإدارة المناطق المفتوحة.
وفي عهد الخليفة معاوية بن أبي سفيان عين قائدا على حملات إفريقيا فانطلق من برقة نحو تونس وفيها شيد جامع القيروان العامر سنة 50 هـ 670 م، ثم واصل تقدمه غربا إلى الجزائر فدخلها عبر بسكرة أين استشهد بها سنة 63هـ 683 م في معركة تاهودة قرب بسكرة ومعه 300 من خيرة المجاهدين الفاتحين وعلى رأسهم أبو المهاجر دينار الأنصاري الذي دفن إلى جواره بمدينة سيدي عقبة أين يوجد الضريح.
وفي ثراها أيضا يرقد سيدي زرزور (الشاعر زرزر) الذي يعد في الذاكرة الشعبية وليا صالحا وزاهدا من منطقة بسكرة.
يقع ضريحه في واد بسكرة، ومن كراماته كما يرويها الناس ارتباطه بالأرض والماء والوادي.
إن بسكرة التي عرفت بأوليائها الصالحين عرفت أيضا برجالها التاريخيين وبمجاهديها الذين دافعوا عن الأرض وخلدت أسمائهم عندما حولت بيوتهم إلى متاحف تحافظ على ذاكرة الوطن.
وأول هذه البيوت هو بيت العربي بن مهيدي أيقونة الثورة الذي لم يكن مجرد سكن استأجره الشهيد بن مهيدي، بل فضاءا ثوريا احتضن اللقاءات والتنقلات السرية لأحد أبرز أبطال حرب التحرير الذي كان رمزا للشجاعة والصلابة الفكرية والذي قال عنه الجنرال الفرنسي أوساريس ” لو كان عندي عشرة من أمثاله لغزوت العالم”.
أما البيت الثاني فهو بيت العقيد الشهيد سي الحواس الذي تحول الى متحف يحمل اسمه ويقع في مدينة أمشونش حاضنة الثورة وملجأ المجاهدين وممر الاتصال بين الأوراس والصحراء منذ أن نشأت الولاية السادسة سنة 1957، باعتبارها قاعدة الأوراس الشامخ غير أن هذا المتحف شبه مهمل ويوجد في حالة ضياع فهو غير مصنف كمعلم سياحي وغير محروس ولا تفتح أبوابه إلا نادرا.
أما البيت التالي فهو دار العقيد شعباني قائد الولاية السادسة الذي تحول ذات يوم الى متحف يحمل اسمه ويقع في مسقط رأسه بمدينة أوماش، فإن الحديث عنه يعتبر حديثا عن الثورة في قلب الصحراء وعن قيادة واجهت الإستعمار من جهة وتعقيدات السياسة من جهة أخرى، لذلك نجده يتعرض بعد الاستقلال إلى مأساة أدمت قلوب المجاهدين وروعت الشهداء في قبورهم.
والذي قمنا بزيارته مهتدين بلوحة التوجيه الموجودة في الطريق العمومي التي أوصلتنا إليه.
ومن المفارقات العجيبة هي أننا عند زيارتنا لهذا البيت الذي افتتح كمتحف من طرف وزير المجاهدين حسب اللوحة الموجودة في مدخل البيت، وجدناه منزوع الأبواب والنوافذ وخالي من المعروضات،
كما تم إتلاف غابة النخيل المحيطة به، كل هذا يحدث رغم المكانة التاريخية للعقيد شعباني.
أما البيت الموالي فهو بيت سليم بشة يحفظ مجموعة ثرية للتحف والآثار الفنية التي سوف تعرض بالمتحف المتعدد التخصصات قيد الإنجاز، والبيت يقع في وسط المدينة أمام مسجد حمزة، و تشرف عليه وزارة الثقافة.
ويحتوي على أكثر من 14000 تحفة فنية،
بحيث توجد به كنوز الحضارات السومرية
والفرعونية الأصلية،
كما يضم آثاراإسلامية وأخرى تعود إلى العهد الروماني والبيزنطي.
وبه أيضا وثائق مرتبطة بالنظرة الإسلامية عبارة عن مخطوطات ونماذج خطية تمثل المدارس الفقهية والعلمية .
كما يضم عقودا موثقة على الخشب، ومراسيم من دول إفريقية،
بالإضافة إلى لوحات للفن التشكيلي العربي والإيراني.
ولوحات المستشرقين الذين رسموا مدينة بسكرة.
كما توجد به أعمال الفنانين الجزائرين مثل عمر راسم، محمد راسم، محمد خدة، محمد إسياخم وباية محي الدين.
بالإضافة إلى المخطوطات الفنية العتيقة المنسوخة بالخط المغاربي.
ويحتوي أيضا على كنوز الاستشراق والرحالة بالإضافة الى وثائق أصلية وصور نادرة لمستشرقين زاروا بسكرة.
كما توجد به خرائط قديمة خاصة بالواحات والزيبان.
بالإضافة إلى كتب ومراسلات توثق نظرة الأوربيين للجنوب الجزائري في القرن 19 وبداية القرن 20، زيادة على التراث المحلي للذاكرة الشعبية من أدوات الحياة اليومية القديمة في بسكرة، أزياء تقليدية للزيبان وأدوات فلاحية وهناك اللمسة المعمارية للبيت ذو الطراز المعماري التقليدي الذي يجمع بين الفناء الداخلي والأقواس.
أما البيت الأخير فهي بيوتات غوفي التي تعتبر متحف طبيعي يجمع بين التاريخ والطبيعة ويعتبر أجمل وأهم المواقع السياحية في الجزائر ببيوتاته المنتشرة في الوادي والتي يعلوها فندق Transatlantique الذي أصبح ثكنة للجيش الفرنسي أثناء حرب التحرير.
هذه هي بسكرة التي خلدت بأوليائها وبشهدائها الميامين ومجاهديها الصادقين الذين سطروا بدمائهم صفحات المجد، إلا أنها لم تكتفي بذلك الإرث الجليل وحده بل احتضنت في هدوء فئة أخرى سامية المقام، هم العلماء والفنانون أصحاب الفضل والجاه الذين ساهموا في بناء الحضارة الإنسانية وأثراء الحركة الفنية وأولهم الأستاذ أحمد ومان.
والذي يعتبر قامة من قامات الجزائر ومفخرة من مفاخرها أمام الأمم. فهو متخصص في علم بناء السدود والهيدروليك.
لديه نظرية عالمية في بناء السدود،
وهو أستاذ محاضر في عدة محافل دولية.
وأستاذ بجامعة بسكرة.
كرم بالفيتنام عندما استدعي كضيف شرف،
وهو عضو في المنظمة العالمية للسدود الكبرى وعددها 9 سدود في أوربا مجهزة بنظريته.
أما الرجل الثاني فهو سليم بشة العضو في عدة مؤسسات فنية وثقافية عالمية.
فهو عضو شرفي وباحث في متحف اللوفر بفرنسا.
كرمه الملك فيليب ملك إسبانيا بوسام الاستحقاق.
ضف إلى ذلك الأستاذ زياني علي الخبير في أنواع القهوة العالمية وخاصة القهوة الأندونيسية الأجود في العالم وهي تلك التي تفرزها حيوانات معينة تقتات من ورق شجرة القهوة.
ومن مفاخر بسكرة أيضا الدكتورة حورية ومان التي جعلت من العلم رسالة ومن المعرفة جسر بين الماضي المجيد والمستقبل المأمول، فهي أستاذة في جامعة بسكرة ومتخصصة في حرب التحرير الجزائرية التي تسعى جاهدة إلى جمع المعلومات والوثائق من مختلف المصادر نرجوا لها التوفيق مع الإعتذار لها على سوء التفاهم الذي وقع عند زيارتها لمركز الراحة والاستجمام العائلي ببسكرة.
ومن رجال بسكرة أيضا الطاهر ومان الفنان التشكيلي العالمي الذي أبهر العالم بأعماله الفنية التي أقيمت لها عدة معارض في كبريات المدن العالمية منها “زهنقزهو” بالصين الشعبية.
فتحية إكبار وتقدير لكل هؤلاء وتحية عرفان إلى قيادة مركز الراحة والاستجمام وكل القائمين عليهم من أطباء ومعالجين وعمال.
كما أستحضر بإجلال ذكرى رجال بسكرة من مجاهديها وعلمائها وفنانيها الذين خدموا وطنهم وأمتهم.

مقالات ذات صلة