عودة إلى قضية ترتيب سور القرآن الكريم
عاد الكاتب والوزير السابق، نور الدين بوكروح، إلى ترديد مقولته المتعلقة بـ”إصلاح الإسلام” و”إعادة ترتيب سور القرآن حسب تاريخ النزول”. وبدا من خلال الحوار، الذي أجرته معه صحيفة “الشروق” والمنشور في 2 أفريل 2015، مصرّا على تفسير التخلف الحضاري للمسلمين بسبب موضوع ترتيب سور القرآن؟!
يقول بوكروح في هذا الحوار: “… القرآن الذي بين أيدينا هو قرآن عثمان، فكنت أتساءل: لماذا لا يكون قرآن أبي بكر، أو قرآن عمر أو علي؟..”
ويتضح من خلال هذا النص أن بوكروح لا يفرّق بين مصحف عثمان وقرآن عثمان، لأنه من المعلوم بالضرورة أن القرآن الكريم هو كلام الله تعالى، الذي أوحى به إلى عبده ورسوله، محمد بن عبد الله – صلى الله عليه وسلم– بواسطة أمين الوحي سيدنا جبريل– عليه السلام، وأنه نزل منجما في مدة 23 سنة، منها 13 سنة بمكة المكرمة ويسمى بالقرآن المكي، و10 سنوات في المدينة المنورة ويسمى بالقرآن المدني. ولذلك، فليس هناك قرآن عثمان وقرآن أبي بكر، وقرآن عمر، وقرآن علي.. كما توهم الأستاذ بوكروح؛ فالقرآن واحد، ولكن هناك مصاحف متعددة لبعض الصحابة منها: مصحف ابن مسعود، ومصحف أبي بن كعب، ومصحف الإمام علي، ومصحف ابن عباس. ويعني ذلك أن من بين الصحابة– رضوان الله عليهم– من كتب لنفسه ما سمعه من النبي– صلى الله عليه وسلم–، ليكون عوناً له على تذكّره، فنُسب إليه المصحف الذي كتبه.
وفي عهد الخليفة الأول أبي بكر الصديق– رضي الله عنه– جمع القرآن في مصحف واحد، ولكنه لم يطالب الصحابة بالتخلي عن المصاحف التي كانت عندهم، ولما جاء الخليفة الثالث عثمان بن عفان– رضي الله عنه– جمع الصحابة واستشارهم في كتابة مصحف موحد يكون للناس إماما، وبعد موافقتهم، كوّن لجنة من كبار الصحابة فجمعوا القرآن، ثم أمر الناس أن يدَعوا ما معهم من المصاحف، وبذلك أصبح مصحف عثمان هو المصحف الإمام، المعتمد لدى المسلمين قاطبة.
في هذا الصدد، سمعت صديقي الدكتور أحمد بن محمد يقول: “إن الخليفة عثمان– رضي الله عنه– أحرق المصاحف لإنقاذ القرآن“، لأن مصاحف الصحابة المذكورة آنفا، كانت تتضمن بعض تفسيراتهم التي ليست من القرآن؛ فأصبح مصحف الخليفة عثمان هو أدقّ وأضبط مصحف يحتوي على كلام الله المتعبد بكل حرف متلوّ منه.
وهذا المصحف العثماني الخالي من التحريف والتزييف والزيادة والنقصان.. هو الذي كان هدفا للطعن والتشكيك من طرف بعض المستشرقين، ولعل على رأسهم المستشرق الألماني ثيودور نولدكه في كتابه (تاريخ النص القرآني) الذي صدر الجزء الأول منه في سنة 1909 وصدر الجزء الثالث منه سنة 1934، بعد وفاة نولدكه بإضافات لبعض تلامذته، وقد تُرجم إلى العربية من طرف أستاذ الفلسفة المسيحي اللبناني جورج تامر في سنة 2004.
ويدّعي المستشرق نولدكه “أن الإسلام بكتابه ونظامه هو صناعة صنعها رجلٌ عادي عاش في الصحراء ومات في الصحراء“؟
أما المستشرق الفرنسي ريجيس بلاشير، فقد أكد في كتابه “القرآن: نزوله، تدوينه، ترجمته، تأثيره“، الصادر في سنة 1947 “أن إعادة ترتيب السور الذي اقترحه نولدكه ينال هنا كامل الأهمية لأنه يلقي على المصحف أضواء مطمئنة، ويرد وضع النصوص إلى آفاق سهلة الإدراك لكونها مقرونة بالسياق التاريخي المعقول، يعني وفق نزولها” ويضيف: “ويتوصل القارئ العربي إذ ذاك بمنطق لا تكلف فيه إلى الاقتناع بأن الحياة قد أعيدت إلى المصحف فما عاد يظهر على شكل متتابع مصطنع وغير منظم للنصوص على شكل سلسلة من الموضوعات عالجها محمد خلال عشرين عاما وفقا لمقتضيات دعوته“.
إذن، يتضح أن الدعوة إلى إعادة ترتيب سور القرآن حسب تاريخ النزول عند المستشرقين هي من أجل “إعادة التسلسل التاريخي للموضوعات” التي “عالجها” محمد– صلى الله عليه وسلم– خلال عشرين عاما! لأنهم لا يؤمنون ولا يعترفون بأن القرآن هو كلام الله تعالى الموحى به إلى النبي محمد– صلى الله عليه وسلم–.
وحتى إذا كان بوكروح يؤكد أنه “لا ينظر إلى الإسلام من باب المعتقد أو الفقه، وإنما بصفته عنصرا صانعا للتاريخ..” ورغم أن الإسلام هو عقيدة وشريعة، وفقه، وتاريخ، فإننا لا نعتقد أنه يوافق المستشرقين في اعتقادهم أن الإسلام هو مجرد قصص أو “موضوعات تاريخية عالجها محمد“– صلى الله عليه وسلم–، لأن فيلسوف الحضارة الأستاذ مالك بن نبي– رحمه الله–، الذي يعتبره الأستاذ بوكروح بمثابة مرجعية فكرية له، يؤمن بأن الحضارة الإسلامية بدأت مع نزول الوحي على رسول الله– صلى الله عليه وسلم– بغار حراء، وهو عندما ألف كتابه القيم “الظاهرة القرآنية” لم يدعُ إلى إعادة ترتيب سور القرآن لإعادة الفاعلية الحضارية للنص القرآني، وإنما اعتمد على المصحف العثماني المعتمد لدى المسلمين، واعتبر مالك بن نبي في كتابه “الظاهرة القرآنية” أن الوحي من حيث كونه ظاهرة تمتد في حدود الزمن، يتميز بخاصتي التنجيم والوحدة الكمية، لأن القرآن لو أنزل دفعة واحدة لتحوّل إلى مجرد وثيقة دينية، لا مصدرا لبعث الحياة في حضارة وليدة. كما لم يطالب الأستاذ مالك بن نبي في نظرية “البعث الحضاري“، التي شرح معالمها في مؤلفاته، إلى التخلي عن القيم الدينية الروحية، بل أرشد إلى كيفية تحويلها إلى قيم فاعلة في الحركية الحضارية.