عودة العملاق النائم!
هناك أخبارٌ مُبشّرة، نتمنى أن تنتقل من درجة الحبر، إلى درجة الواقع المُطبَّق، تتعلق بشركة سوناطراك، التي تعوَّدنا على تسميتها بالبقرة الحلوب التي لم يجفّ ضرعها، بالرغم من أن عشرات الملايين من الجزائريين يعيشون من حليبها الطازج، فيأكلون ويبذرون، ولا تكاد مشاريعهم الفلاحية والصناعية والسكنية تخرج من ريعها، بل إنها جميعا هِبة هذه الشركة الكبرى، التي نسينا مع الوقت، بأنها شركة مثل كل شركات العالم، بعد أن صارت تمدّ الجزائريين بقرابة مائة بالمائة من ملبسهم ومركبهم وطعامهم ودوائهم وكمالياتهم.
عودة سوناطراك المرتقبة إلى الأراضي الليبية الواعدة، ودخولها في شراكات تعاون مع الأتراك والصينيين مثلا، ودخولها القويّ والمأمول إلى عالم الطاقات البديلة، والنيّة في إنشاء حاسي مسعود جديد، كلها مشاريع نظرية، ستثمِّن ثروات الجزائر الباطنية، وتجعل الشركةَ الأكبر في القارة السمراء، جهازا يفكر ويقرر، بعد أن جعلناها على مدار عقود مجرد بقرة حلوب، لا تدري عن حليبها شيئا، ولا تعلم عن طالبي حليبها شيئا، يبادلها الجزائريون البسمات عندما يرتفع سعر النفط، ويلعنون أيامها عندما ينهار سعر البترول في الأسواق العالمية، حتى تتخيل أنها شركة مُسيّرة لا أحد يدري مصيرها، ولا حول لمسيِّريها وعمالها وطالبي وُدّها، ولا قوة. وقدرُها الآن أن تصبح شركة عظمى لا تزول بزوال أنهار البترول التي تجري من تحتها.
هناك شركاتٌ كبرى في العالم، تحوّلت مع مرور الزمن إلى فخر لشعوب تلك البلدان التي تحتضن مقراتها، بعد أن جرت في شرايين الاقتصاد والمجتمع والثقافة، فكانت تقدم الهدايا للأمة، كأن تبني لها مركبات رياضية عملاقة، أو تتبنى تظاهرات ثقافية راقية، أو تبعث جامعات تنافسية، أو تواكب نجاحات رياضيين وعلماء، فيشعر المواطنون بأن هذه الشركة جزءٌ منهم، فيمدونها بالحبّ والحماية والتقدير، فيدوم ريحها، وتطمئن على مستقبلها، وأكثر من ذلك تستنسخ شركاتٍ جديدة، وتقدم صورة بهية لبلدانها، وهذا ما افتقدناه في شركة سوناطراك، التي لا يراها الأجانب أكثر من بقرة حلوب، ينجزون على أساس خيراتها شركاتهم العملاقة، ويشرب الجزائريون حليبها ويكادون يأكلون لحومها.
الالتفات إلى شركات المياه والكهرباء والبريد والطرقات والنقل بأنواعه، وغيرها من المؤسسات الكبرى التابعة للقطاع العمومي، وإعلان ثورات تغيير وتعديل وإصلاح في الذهنيات وطرق العمل، قد لا يكون له منفعة كبرى، من دون تصحيح مسار الشركة العملاقة سوناطراك التي هي مصدر حياة بقية الشركات، وإذا تحققت المشاريع الكبرى التي ظهرت في الفترة الأخيرة، فإننا سنكون أمام فتح اقتصادي كبير، لن يؤسّس فقط لشركة عملاقة بأتم معنى الكلمة، وإنما لتقليد عملي سيضع قطار الاقتصاد على سكّته الصحيحة، بعد أن خرج عنها عدة عقود، فداس كل المشاريع، وداس بالخصوص على آمال الجزائريين في حياة أفضل.