-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

عودة ترامب: ماذا تحمل للشرق الأوسط؟

لؤي صوالحة
  • 568
  • 0
عودة ترامب: ماذا تحمل للشرق الأوسط؟

أثار فوز دونالد ترامب في الانتخابات الأميركية الأخيرة تساؤلات واسعة حول انعكاسات هذا الحدث على الوضع الاستراتيجي في الشرق الأوسط،خصوصاً فيما يتعلق بعلاقته المعقدة مع “إسرائيل”.

بالنسبة للعديد من المراقبين، فإنّ عودة ترامب إلى البيت الأبيض لا تُعدّ مجرد حدث سياسي عابر، بل تحمل احتمالات تغيير جذري قد يقود إلى تحولات بعيدة المدىفي موازين القوى في المنطقة. تسود الآن حالة من الترقب حول تأثيرات سياساته على الشرق الأوسط وما إذا كانت ستشكل فرصة جديدة لإسرائيل أو تحدياً قد يضعها في مواجهة خيارات صعبة.
ينظر ترامب إلى”إسرائيل” كحليف استراتيجي يرسِّخ وجود الولايات المتحدة في منطقة شديدة التوتر. ولا يُعدّ مستغرباً أن يعود بقوة لدعم مشاريعها التوسعية، إذ لم يتردد خلال ولايته السابقة في اتخاذ خطوات مثيرة للجدل، بدءاً من اعترافه بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل السفارة الأميركية إليها، مروراً بدعمه الكامل للمستوطنات وضمّ أجزاء من الضفة الغربية، ووصولاً إلى تقديم ما سمّاه “صفقة القرن”… هذه الخطوات، التي كانت تتناغم تماماً مع طموحات إسرائيل الاستيطانية، أثارت مخاوف واسعة لدى الفلسطينيين والعرب بشأن التوجه الأميركي الواضح نحو دعم
التوسع الإسرائيلي. وبالطبع، فإن إسرائيل تجد في هذا الدعم فرصة لتعزيز هيمنتها الإقليمية، وفرض رؤيتها الأحادية على أرض الواقع في ظل غياب ضغوط دولية فعّالة.
غير أن عودة ترامب، رغم الفرص التي قد تتيحها لإسرائيل، تحمل في طياتها مخاطر وتحديات، فالرئيس الأميركي معروف بأسلوبه العشوائي وغير المتوقَّع، مما يجعل من الصعب التنبؤ بسياساته طويلة الأمد. ويمكن أن تقود هذه العشوائية إلى تقلبات مفاجئة في المشهد السياسي قد تؤثر على حسابات إسرائيل وتضعها أمام تحديات جديدة. ومن بين تلك المخاطر المحتملة، أن بعض القرارات الإستراتيجية قد تتجاوز حتى المصالح الأميركية- الإسرائيلية، إذ يلتقي ترامب بشكل متكرر بخلافات حادة مع المؤسسة العسكرية والأمنية الأميركية التي ترى في بعض سياساته تهديداً لاستقرار المصالح الأميركية في المنطقة.
أحد أبرز ملفات الشرق الأوسط المعقَّدة التي قد يُعيد ترامب التركيز عليها هو الملف النووي الإيراني. ترامب خلال فترته الأولى، تبنى سياسة متشددة ضد إيران، فألغى الاتفاق النووي، وفرض عقوبات خانقة على طهران. عودته للبيت الأبيض قد تعني مزيداً من التصعيد ضد إيران، ما قد يُعزز الضغط على نظامها الحاكم، ويُحقّق لإسرائيل أهدافاً تعدّها
أولوية لأمنها القومي، لكن هذا التوتر المستمر مع طهران قد يتطور إلى صراع مفتوح يُحرج إسرائيل في حساباتها الأمنية، خاصة إذا ما أدى إلى تصعيد غير مسيطر عليه يضر بمصالحها في المنطقة.
وبالإضافة إلى ملف إيران، من المحتمل أن يسعى ترامب إلى إعادة صياغة العلاقات مع الدول العربية بما يخدم مصالحه الاقتصادية والأمنية، إلا أن تلك العلاقات قد تتغير، إذ بات واضحاً أن هناك توازنات جديدة ظهرت على الساحة الدولية مع صعود النفوذ الروسي والصيني في المنطقة، فمن جهة، يعزز الدور الروسي في سوريا والنفوذ الإيراني فيها
من التوترات، ومن جهة أخرى، تجد الولايات المتحدة نفسها عاجزة عن فرض هيمنتها الكاملة، خاصة في ظل التطورات التي فرضتها سياسات ترامب خلال فترته الرئاسية الأولى. ولعل الدول العربية تجد نفسها مجبرة على إعادة النظر في علاقاتها الإستراتيجية لتحديد خياراتها المستقبلية في ظل هذه المتغيرات المتسارعة.
أما فيما يتعلق بالعلاقة مع الدول العربية، فقد يسعى ترامب لاستقطاب الأنظمة التي تعتبره حليفاً قوياً في وجه التحركات التي تهدد استقرارها. ولكن، قد لا يسمح له هذا التوجه بتمكين إسرائيل من التوغل بشكل أوسع في المشهد العربي، بل قد يدفع نحو زيادة حركات المقاومة التي تستمد قوتها من الشعور المتنامي بضرورة التحرر من الهيمنة الأميركية-الإسرائيلية، مما ينعكس على صعيد التفاعل الشعبي العربي الرافض للاحتلال.
عند النظر إلى المشهد من منظور أوسع، فإن عودة ترامب قد تدفع نحو شرق أوسط متعدد الأقطاب، في ظل تراجع الولايات المتحدة التدريجي عن أداء دور الوسيط الأوحد في نزاعات المنطقة، ليتيح المجال أمام القوى الكبرى الأخرى، مثل روسيا والصين، للتدخُّل وتوسيع نفوذها في المنطقة.
هذه التحولات في موازين القوى قد تجبر إسرائيل على إعادة حساباتها، إذ أن تراجع النفوذ الأميركي المباشر قد يفتح المجال أمام منافسين جدد يفرضون معطيات جديدة، ما يعني أن إسرائيل قد تجد نفسها أمام تحديات غير تقليدية لا تضمن مصالحها كما كانت عليه خلال عقود من الرعاية الأميركية المباشرة.
بهذه القراءة، يتَّضح أن عودة ترامب إلى البيت الأبيض لن تكون مجرد خطوة بسيطة في سياق السياسة الأميركية، بل ستفرض تحديات جديدة على إسرائيل، التي ستضطرُّ إلى التوفيق بين سياسات ترامب المتقلبة من جهة، والحفاظ على مصالحها في بيئة إقليمية مضطربة من جهة أخرى.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!