-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
بعد مغادرة شركة "إنجي" نهائيا حقل "توات غاز" في أدرار

عويل في باريس على فقدان مواقعها في إنتاج الغاز بالجزائر

حسان حويشة
  • 606
  • 0
عويل في باريس على فقدان مواقعها في إنتاج الغاز بالجزائر
ح.م
تعبيرية

مع اشتداد أزمة الطاقة العالمية جراء غلق مضيق هرمز وشح الإمدادات القادمة من منطقة الخليج، ظهر إلى العلن “عويل” وندم فرنسيّين جراء خطوات غير محسوبة في قطاع الغاز الجزائري، بعد مغادرة شركة “إنجي” حقل توات غاز في توقيت وصف بأنه “سيئ للغاية”، وفسرت الخطوة على أنها علامة لاستمرار تراجع التواجد والنفوذ الفرنسي.
هذه الحسرة في فرنسا تجلّت من خلال مقال مطول لصحيفة “لاتربيين”، حمل عنوان “الأزمة الغازية العالمية تضرب في وقت تنسحب فيه إنجي من مواقعها بالجزائر”، حيث بدا واضحا أن القرار الذي اتخذ قبل اندلاع الحرب في الشرق الأوسط، وسط ظروف كانت توصف على أنها عادية، تحول اليوم إلى خطأ استراتيجي ثقيل الكلفة.
وأشار المقال الصادر يوم 27 مارس الجاري إلى أن ترسيم انسحاب الشركة الفرنسية من حقل توات بولاية أدرار، بموجب مرسوم رئاسي وقعه رئيس الجمهورية، عبد المجيد تبون، في فيفري 2026، لم يكن مجرد تعديل في محفظة استثمارات، بل يندرج ضمن إعادة تشكيل أعمق لموازين الطاقة والعلاقات بين الجزائر وأوروبا وشركائها التقليديين.
ولفت المصدر إلى أن هذا القرار مرّ في حينه دون اهتمام كبير، رغم أنه أنهى فعليا وجود أحد أبرز الفاعلين الفرنسيين في قطاع الغاز الجزائري، غير أن تداعياته لم تتضح إلا بعد أسابيع، مع دخول الأسواق العالمية في حالة اضطراب حاد بسبب التوترات في الشرق الأوسط.
وشددت القراءة التي قدمتها “لاتريبين” على أن خروج “إنجي” أعاد توزيع الحصص داخل مشروع توات، حيث عززت إيني ( Eni ) الإيطالية موقعها لترتفع حصتها إلى 43 بالمائة، بينما دخلت ” PTTEP ” التايلاندية بنسبة 22 بالمائة، في حين حافظت سوناطراك على 35 بالمائة مع احتكار تسويق كامل الإنتاج.
وذكر المقال أن هذا التحول الذي بدا تقنيا في ظاهره، اكتسب بعدا استراتيجيا مع اندلاع الأزمة الغازية العالمية، ما جعل فرنسا تبدو وكأنها تخلّت عن موقع مهم في لحظة كان يفترض أن تعزز فيها حضورها، مشيرا إلى أن الشركة الفرنسية بررت انسحابها بإعادة تموقع استراتيجي يتماشى مع التزاماتها المناخية داخل أوروبا، غير أن هذه الرواية لم تصمد أمام قراءة أوسع للسياق السياسي والاقتصادي.
ولفتت “لاتريبين” إلى أن العلاقات الجزائرية الفرنسية دخلت مرحلة من التوتر منذ 2024، خاصة بعد الموقف الفرنسي الداعم للسيادة المغربية على الصحراء الغربية، وهو ما انعكس مباشرة على مناخ الأعمال وأضعف حضور الشركات الفرنسية في قطاع المحروقات، حيث أكدت المعطيات أن المبادلات التجارية بين البلدين شهدت انهيارا لافتا، حيث تراجعت من 11.8 مليار يورو سنة 2023 إلى 5.4 مليار يورو في 2024، في مؤشر واضح على فقدان باريس تدريجيا مواقعها الاقتصادية في الجزائر.
وشدد المقال على أن ما حدث لا يمكن قراءته كقرارات تقنية معزولة، بل كترجمة لتدهور سياسي عميق، انعكس بشكل مباشر على تموقع الشركات الفرنسية، مقابل صعود شركاء آخرين أكثر انسجاما مع الرؤية الجزائرية الجديدة.
ولفت التحليل ذاته إلى أن المفارقة تكمن في أن انسحاب “أنجي” لم يكن حتميا، بدليل أن شركات أخرى مثل “توتال إنرجي” تمكنت من الحفاظ على أصولها بفضل عقود طويلة الأمد، ما يطرح تساؤلات جدية حول سوء تقدير فرنسي للمرحلة، مبرزا أن الجزائر، في المقابل، تحركت بسرعة لإعادة تشكيل شراكاتها الطاقوية، حيث عززت دور “إيني” كشريك محوري نحو السوق الأوروبية، مستفيدة من علاقات متينة مع إيطاليا، في وقت تسعى فيه روما لتأمين إمدادات بديلة، كما أن “إيني” عززت موقعها في حقل “توات غاز” بزيادة حصتها، مستفيدة من ثقة متراكمة، حيث دفعت أكثر من 1.2 مليار دولار كضرائب وإتاوات للجزائر سنة 2024، ما جعلها ثاني أكبر شركة أجنبية من حيث العائدات للدولة.
وأشار مقال لا تريبين إلى أن هذه الصدمة الطاقوية العالمية أعادت الجزائر إلى الواجهة كأحد الموردين القلائل القادرين على توفير استقرار نسبي للأسواق الأوروبية، بفضل موقعها الجغرافي وبنيتها التحتية الجاهزة، مبرزا أن الجزائر تمتلك ورقة قوية تتمثل في خطي أنابيب نحو أوروبا، ما يجعلها أقل تأثرا بالتوترات مقارنة بموردين آخرين، وهو ما زاد من أهميتها في نظر الدول الأوروبية الباحثة عن بدائل عاجلة.
ولفت إلى أن مفاوضات جارية مع روما ومدريد لزيادة الإمدادات، مع مراجعة الأسعار بنسبة تتراوح ما بين 15 و20 بالمائة للكميات الإضافية، ما يعكس قوة الموقع التفاوضي الجزائري في الظرف الحالي.
وأكد التقرير أن الجزائر، رغم عدم قدرتها على تعويض قطر بالكامل في سوق الغاز المسال، إلا أنها باتت لاعبا محوريا في تأمين جزء مهم من احتياجات أوروبا، خاصة في ظل الأزمات المتكررة.
وخلصت القراءة إلى أن ما حدث في حقل “توات غاز” يتجاوز مجرد انسحاب شركة، ليكشف عن تحول عميق في موازين الطاقة، حيث تفرض الجزائر شروطها وتعيد رسم خريطة شركائها، بينما تجد فرنسا نفسها خارج اللعبة، تراقب من بعيد خسارة مواقع كانت إلى وقت قريب من ركائز نفوذها.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!