الرأي

عيدٌ‮ ‬مع‮ ‬وقف‮ ‬التنفيذ

الشروق أونلاين
  • 1552
  • 1

تحل ذكرى الفاتح ماي لهذا العام، والجبهة العمالية “تغلي” كالمِرجل على شكل إضرابات واحتجاجات مستمرة بمختلف القطاعات، أملاً في رفع الأجور مجدداً لمواجهة التضخّم والغلاء المستمر للأسعار، والذي “قضى” على كل الزيادات السابقة في الأجور.

أزيد من 800 ألف عامل متعاقد يتقاضى منذ سنوات عديدة أجوراً تقل بكثير عن الحد الأدنى المقرر قانوناً، وهو 18 ألف دينار، وقد “أبدعت” الدولة في صيغ التعاقد مع هؤلاء، تارة باسم “تشغيل الشباب” و”الشبكة الاجتماعية” وتارة أخرى باسم “عقود ما قبل التشغيل”، والنتيجة واحدة،‮ ‬وهي‮ ‬استعباد‮ ‬مئات‮ ‬الآلاف‮ ‬من‮ ‬الجزائريين‮ ‬ممن‮ ‬اضطرتهم‮ ‬الحاجة‮ ‬والخصاصة‮ ‬إلى‮ ‬القبول‮ ‬بهذا‮ ‬الوضع‮ ‬البائس،‮ ‬ولسان‮ ‬حالهم‮ ‬يردد‮ “‬القليل‮ ‬خيرٌ‮ ‬من‮ ‬الحرمان‮”.‬

هل‮ ‬يُعقل‮ ‬أن‮ ‬تقلّ‮ ‬أجور‮ ‬عمال‮ “‬تشغيل‮ ‬الشباب‮” ‬و‮”‬الشبكة‮ ‬الاجتماعية‮” ‬عن‮ ‬أجور‮ ‬النواب‮ ‬بـ60‮ ‬إلى‮ ‬70‮ ‬مرة،‮ ‬وعن‮ ‬أجور‮ ‬مسؤولين‮ ‬سامين‮ ‬كثيرين‮ ‬في‮ ‬الدولة‮ ‬بقرابة‮ ‬100‮ ‬مرة‮ ‬أو‮ ‬أكثر‮ ‬أحياناً؟

لكم أن تتصوروا كيف يمكن – مثلاً- لأرملة وأمٍّ لعدّة أطفال يتامى تشتغل في إطار “تشغيل الشباب” أن تعيل أطفالَها بـ5400 دينار شهريا، أو حتى بـ8000 دج في إطار صيغة تعاقدية أخرى، كيف يمكنها بهذه المبالغ الهزيلة، أن تلبي احتياجاتهم الضرورية من مأكل ودواء وكساء؟

إننا نفهم أن يقوم خواصٌ باستغلال العمال وتشغيلهم ساعات طويلة يومياً مقابل أجور زهيدة، فهذه “عادة” الكثير من الخواص منذ خُلق الإنسان وستبقى كذلك، فيما يبدو إلى يوم يُبعثون، وهناك مئات الآلاف من العمال وربما الملايين، ممن يعانون الاستعباد بأبشع أشكاله لدى الكثير من الخواص.. ولكن ما لا نفهمه هو أن تقوم الدولة نفسُها باستغلال 800 ألف من أبنائها فتشغِّلهم بمختلف صيغ التعاقد سنوات طويلة دون ترسيم، وبهذه “الأجور” البخسة التي تخالف بشكل صارخ القانون الذي وضعته بنفسها.

وإذا كانت الدولة نفسها تمارس الاستغلال على 800 ألف من أبنائها المستضعفين، فكيف يستقيم في هذه الحالة أن تجبر الخواصَ على احترام قانون العمل ومنح عمالهم أجوراً لا تقل عن 18 ألف دينار، فضلاً عن تأمينهم ومنحهم كامل حقوقهم؟

وفي الجنوب يتعرض آلافُ العمال لاستغلال بشع على يد ما يُسمى “شركات المناولة” التي تستحوذ على معظم أجور العمال الذين توظفهم في الشركات البترولية ولا تمنح لهم سوى الفتات، دون أن يُقابَل ذلك بسياسة حازمة تضع حدا لهذا الاستعباد، وتجرّ المتسببين فيه إلى العدالة لمعاقبتهم،‮ ‬ما‮ ‬يُفضي‮ ‬في‮ ‬النهاية‮ ‬إلى‮ ‬استمرار‮ ‬الاحتقان‮ ‬والاضطرابات‮ ‬في‮ ‬الجنوب‮ ‬وتناميها‮ ‬من‮ ‬يوم‮ ‬إلى‮ ‬آخر‮ ‬ككرة‮ ‬الثلج‮ ‬المتدحرجة‮.‬

الاكتفاء بهذه العيّنات لا يعني أن عمال باقي القطاعات بخير، وإلاّ لما كانت عرضة للاحتجاجات “المستديمة”.. العمال الجزائريون ليسوا بخير باستثناء قلّة من “المحظوظين”، وهم ينتظرون المزيد من دولتهم الغنية بثرواتها ومواردها الطبيعية، أما عيدُهم فيبقى مؤجلاً إلى إشعار‮ ‬آخر‮.  ‬

مقالات ذات صلة