عيد العاطلين عن العمل
يوم كان اليوم العالمي للعمال يوما للعامل، كان رمضان أيضا شهرا للعمل. كان العامل والمجاهد والمتعلم، والفلاح، يشعر أنه يعمل، لأنه يجب عليه أن يعمل لكي يعلم بأنه يعمل، أما اليوم، صار رمضان عنوانا للنوم والبطولات في الأكل والترف والزهو. وصار عيد العمل أيضا عنوانا للنوم على نوم! صار أيضا الاحتفال بعيد العمل، احتفالا لنقابة رجال الأعمال بعمالهم الذين يعملون ولا يشعرون بأنهم يعملون، بل ويعلمون أنهم يعملون بلا روح عمل! الاحتفالات بعالم الشغل والشغيلة، الذي شغله الشاغل هذا العام، هو إشغال المشتغلين بإشغالهم بغير شغلهم! حتى أصحاب مؤسسات “تشغيل الشباب”، صار الهدف منها إشغال الشباب عوض تشغيله! تلهيته بالمال العام لكي لا يتجه إلى وجهة أخرى لكسب المال! فالكل كان يعلم أن مشاريعها وفي معظمها، بنيت على فكرة أن يتحول كل جزائري إلى رب عمل! فأين العامل؟ كل الجزائريين صاروا يحلمون عن طريق المال العام أيام البحبوحة المالية التي أكل منها وغرف كل من هب ولا يدب، بأن يتحولوا إلى أرباب ورجال ونساء أعمال، لكن دون أن يعملوا! المهم أن تحصل على مال من البنوك، وتصبح مليونيرا دون عمل! هؤلاء هم الذين نسميهم اليوم بالعمال البطالين!
عيد البطالة، ربما قد يجوز هذا الاسم، بعد أن صارت البطالة جزءا لا يتجزأ من الثقافة الجزائرية! الكل بطال، حتى من يعمل! حتى من يذهب إلى العمل، يقول لك إني ذاهب للعمل وليس إني ذاهب لأعمل! لا نعمم، لأن هناك بالمقابل، كثيرا من العمال من يستغلون أبشع استغلال في القطاع الخاص وفي المؤسسات الصغيرة والشركات الأجنبية في الجنوب وفي الشمال، لكن العمل بالحد الذي نتحدث فيه عن طبقة عمالية تحتفل بعيدها، فلا يجب أن نذهب إلى أبعد من التخيل!
نمت على وضع العمل والعمال عندنا في ظل الفساد المالي والنهب والطرد والتقليص والتوظيف “بالمعريفة” حتى في حقل العلم والمعرفة، والتوظيف بمسابقة غير مسبوقة، والتشغيل بأساليب غير أخلاقية، خاصة لدى الإناث وفي كثير من القطاعات المقطوعة النسب. نمت، لأجد نفسي أحتفل مع رجال الأعمال بعيد العمال ولا وجود لعامل واحد في القاعة! أنا هو نائب رئيس النقابات الوطنية العمالية المدافعة عن رجال الأعمال!: أيتها العاملات عليها، أيها العاملون بها، أيها المتعالون عليها، تحية طيبة وبعد: هذا يوم العمل يأتي بعد أيام من عيد العلم! وكما تعلمون فإن العمل بدون علم لا يعلم مصيره إلا الله والراسخون في العلم… منا! فأنا لم أدخل مدرسة إلا بعد الأربعين .. نووية! فقد نويت التعلم وتعلمت أن أقرأ ما يكتب لي! تعلمت القراءة ولم أتعلم الكتابة.. وهذا خطاب مكتوب بالفرنسية ترجمه لنا لاجئ سوري من الإنجليزية! وأقرأه اليوم أنا نيابة عن رئيس النقابة المنقبة في العمل والعلم. اعلموا أيها العمال أن العمل هو سر التعلم. اذهبوا إلى أعمالكم واسمعوا لنصائح رجال أعمالكم واكتفوا بالخلصة التي “يفليكسيوها” لكم، ولا تفتحوا أفواهكم إلا ما أكلتم فلم تشبعوا وما شربتم فلم ترتووا وما لبستم فلم تستتروا! انتهى زمن النخوة على الخوا.. ووقت “العقيق على الشليق” وتاريخ “الزلط والتفرعين”، فقد ولّى زمن التفرعين وجاء زمن الزلط! فزلطوا أنفسكم وتعودوا عليه من الآن، لأن من لم يتزلط سابقا، فسيتزلط لاحقا. فهذه قوانين “الزلطة” السياسية، وأرباب العمل تعلمكم على أن تكتفوا بالفتات وتعملوا أكثر مما تنامون. الدولة لن تعطيكم شيئا من الآن، لأنه لم يبق لها أي شيء تعطيه لغيرنا في هذا الشأن، فلا تغيروا وغيروا من أسلوب عيشكم وما تبقى لكم من أسباب العيش! لا تعيشوا “لافي”، بل عيشوا وفقط! أيها العمال المتعلمون من معلمين ومعلمات، داخلين للمسابقات، من المتعاقدين وغير المتعاقدات، الخارجين من الخدمات، لا تعتقدوا أنكم تلوون يد الدولة بعملكم هذا وإضراركم بالمصالح العليا للبلاد وتلطيخ صورة البلد خارج البلاد! أدخلوا المسابقات وتسابقوا نحو الطاولات كيفكم كيف الناس. سنعمل على إدماجكم بالتي هي أحسن، لكن ليس من خلال التظاهر والتجمهر والتضييق على الأجهزة الأمنية والحكومية. احترموا قوانين الدولة نحترمكم ونوظفكم عن آخركم بلا “معرفة” ولا نكرة! ولكن لا تسيسوا الأمور وتدفعوا بالشارع نحو الخلل وحركة المرور نحو الشلل! نحن في ضائقة “مالية” وفي أزمة “نيجيرية”، فلا تزيدوا في الطين بلة ولا تزيدونا على المرض، علة! واعلموا أنكم في هذه “الجزائر” أضيع من الأيتام في مأدبة اللئام، ولولا أنكم تشفونا لكنا قلنا لكم، عفّونا!! أتركونا ونترككم ونأتي بالشناوة من غيركم والأفارقة من دونكم والمصريين من أمثالكم، والهنود من أجلكم! لكن بعدها، ستأكلون التراب، لأنه لا عمل يكون لكم، ولا منحة تعطى لكم ولا دواء يمنح لكم ولا صحة تكفل لكم! فلا مجانية لشيء بعد هذه الأشياء ولا باطل في زمن البطالة!
أيتها العاملات، من الآن فصاعدا، يجب أن تقبلن بكل عمل تجدنه متوفرا دون أن تطلبن أكثر من ذلك! أطلبن العمل حيثما وجدتموه ولا تسألن عنه قبل الحصول عليه ولا تناقشن طريقة الوصول إليه، فكل الطرق مسموح بها وكل السبل مفتوحة، مع ضمان حق المرأة في كل شيء وحق الرجل في كل الأشياء! فالمرأة حق للرجل، والرجل عليه حقه على المرأة. سوف نعمل على تغيير القوانين المسهلة للقران، ونصعب من إجراءات الزواج، حتى تصبح المرأة مستقلة عن زوجها! تعمل ما رأت باعتبارها عاملة ما شاءت، يعمل هو ما شاء باعتباره عاملا، إنما لا يعمل إلا ما سمحت به القوانين عمله! فلا يمكن للرجل أن يجبر المرأة أن تعمل إلا ما تريد عمله، ولا يجب عليه أن يجبرها على ألا تعمل، ولا يجب على الزوج أن يجبر زوجته على أن تعمل ما تعلم أن هذا “مش عمل”! فكل عمل هو عمل حتى العمل الذي لا يبدو عملا! فكل عمل للمرأة هو عمل ولو كان لا عمل أو حتى لو كان “عمايل”! أتركوا العاملات مستقلات يعملن ما شئن واتركوا الأبناء للحضانة وأعطونا وللبرلمانين مع الوزراء والمديرين الحصانة، حتى نرفع عنكم الغبن كما رفع الغبن عن الحمار بالبغالة!
أيها المتعالمون العمال، عيدكم مبارك وزيادة و”ستفوا” أنفسكم أيها العمال لتكون لكم السعادة والريادة.. في المقبرة، في المستشفى.. أو في أقرب عيادة..