عُملاتٌ ليست صعبة
الخبر الأكثر جلبا للانتباه، مع بداية خريف 2022، هو بالتأكيد الحالة الصحية الجيدة للدينار الجزائري، مقارنة ببقية العملات الصعبة، والذي تزامن مع الارتفاع القياسي لسعر البترول والغاز وزيادة إنتاجهما، وتراجُع العملة الأوروبية الموحَّدة في عقر ديارها مع أزمة تضخم غير مسبوقة في القارة العجوز.
هذا الخبرُ المالي والاقتصادي المهم، من المفروض أن يمنح صعودا للمعنويات، ويؤسّس لبناء منظومة مالية قوية، بعد عقود من اللاشيء، حتى أن بنوكنا لم تكن أكثر من “مجار” لتصريف السيولة المالية بين دفع وسحب داخلي لا صراع فيه بين العملات، فظلّ الدينار عملة لا تصعد ولا تنزل حسب إرادتنا، يتفرج على بقية العملات الصعبة، وبعضُها يهزم بعضها الآخر، في معارك مالية لا تبقي ولا تذر.
كل المؤشرات الاقتصادية والسياسية تصبّ في صالح الجزائر في الفترة الأخيرة، وكل الفرص تبدو سانحة لأجل أن تنطلق الجزائر نحو بناء حقيقي بعيدا عن الشعارات، التي ملّها الجزائريون والتي أخفت الحقيقة وجعلتها مجرد سراب في أول منعرج تنزل فيه أسعارُ الخام، فالتركيز على الصادرات خارج المحروقات، وترشيد الإنفاق وقلع الفساد من الجذور، ومنح المناصب الهامة للكفاءات هو وحده ما يجعل الصحوة المالية والاقتصادية حقيقة ثابتة، لا تزعزعها العواصف النفطية كما كان يحدث دائما، إذ تعيش الجزائر اجتماعيا مثل البورصات بين صعود للأعلى ونزول إلى القاع مجبرة، وغير مخيَّرة، حسب مزاج مزيج برنت.
الجميل هو أن النماذج الناجحة في العالم، متنوعة بين الشرق والغرب، ويمكن الاستفادة من هذه التجارب التي حققت فيها بعضُ الشعوب نجاحات باهرة في الهند والصين والبرازيل وتركيا وجنوب إفريقيا، وكان النجاح غير ممكن إلا بين الدول الغربية، التي لا تكاد تعطي قطرة من خبراتها إلا ببرميل من التنازلات، ضمن استعمار جديد، ما حقق للدول الساعية للنمو سوى مزيد من الخضوع، كما كان الحال في دول كثيرة تتخيل نفسها، مزدهرة اقتصاديا، وكلنا نعلم بأن مصيرها بين أيدي من تقيم معها شراكات اقتصادية مقابل قرابين مؤلمة تُفقدها السيطرة على قراراتها الهامة والمصيرية.
شعار “رابح رابح” وتطبيقه على أرض الواقع في أي اتفاق مع أي بلد كان هو الوحيد الذي يمنح للعملة المحلية قيمتها المحترمة، وهو الذي يبني لاقتصاد سيادي قوي، وهو فنٌّ ممكن مع دول كثيرة بعيد عن الدول التي كانت تظن نفسها بأنها لا ترينا إلا ما ترى. ومجرد تحوّل الجزائر إلى وجهة عالمية للدفء مع اقتراب صقيع الشتاء، هو في حدِّ ذاته نعمة ربانية وفرصة قد لا تتكرر لأجل وضع الحجر الأساس لتحقيق انتصارات موازية في مجالات أخرى حتى يعم الدفء كل القطاعات وفي جميع الأزمنة الحاضرة والمستقبلية، ولا يبقى عائما مع تيارات البترول والغاز التي لا تعلم سفننا بأيِّ اتجاهٍ تجري.