-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

غارا جبيلات… عندما تتحول الثّروة المدفونة إلى قوّة جيو-اقتصادية

عبد الله لاطرش
  • 804
  • 0
غارا جبيلات… عندما تتحول الثّروة المدفونة إلى قوّة جيو-اقتصادية
أرشيف
غارا جبيلات

في السنوات الأخيرة، كثيرًا ما تردّد في الخطاب الاقتصادي العربي أنّ الجزائر رهينة لـ(لعنة النفط)، وأنّ اقتصادها سيبقى أسير تقلبات السّوق الطاقوية ما لم تنجح في تنويع مصادر الدّخل، غير أنّ التطورات المرتبطة بمشروع منجم غارا جبيلات وخط السكّة الحديدية بشار–تندوف تشير بوضوح إلى أن البلاد دخلت مرحلة جديدة، تتجاوز فيها منطق الريع إلى منطق الاستثمار الاستراتيجي طويل المدى.

فحين تصف مراكز أبحاث ووسائل إعلام أمريكية منجم غارا جبيلات بـ(العملاق النّائم)، فإنّها لا تستخدم تعبيرًا إعلاميًا عابرًا، بل تقرّ بحقيقة اقتصادية ظلّت كامنة لعقود: الجزائر تمتلك أحد أكبر احتياطيات الحديد في العالم، لكنّها لم تمتلك، حتى وقت قريب، الأدوات اللوجستية والتقنية لتحويل هذه الثروة إلى قوة إنتاجية فعلية، اليوم، ومع ربط المنجم بشبكة السكك الحديدية، بدأ هذا العملاق يستيقظ.

وصف وكالة (بلومبرغ) لهذا المشروع بأنه (تغيير لقواعد اللّعبة) ليس مبالغة، فالجزائر، التي كانت تُختزل غالبًا في كونها موردًا للغاز لأوروبا، تتحوّل تدريجيًا إلى فاعل منجمي وصناعي قادر على تصدير الحديد والصلب بكميات تنافسية، وهذا التحوّل لا يعكس فقط تنويعًا في الصادرات، بل إعادة تموضع جيو-اقتصادي في منطقة المتوسط وشمال أفريقيا.

أما (وول ستريت جورنال) فتضع المشروع في سياقه العالمي، حيث يتزامن مع تحوّلات كبرى في الطاقة والصّناعة وسلاسل التوريد.

 في هذا السّياق، يمنح غارا جبيلات الجزائر ميزة نادرة: قرب جغرافي من الأسواق الأوروبية، وتكاليف نقل أقل من منافسين تقليديين في أمريكا الجنوبية أو آسيا؛ وهذه الميزة، إذا أُحسن استغلالها، قادرة على إعادة رسم خريطة تجارة الحديد في المنطقة.

الأهمّ من ذلك، أنّ المشروع لا يُختزل في منجم أو خط سكّة حديد، بل في رؤية متكاملة للتنمية، كما تشير صحيفة (المونيتور)، فإنّ الجزائر لا تبني مجرّد بنية تحتية، بل تؤسّس لمركز صناعي ولوجستي يربط أفريقيا بالمتوسط، ويتحدّى نماذج سلاسل التوريد التقليدية التي همّشت المنطقة لعقود.

من هذا المنظور، تبدو قراءة مجلة (فوربس) دقيقة عندما تصف المشروع بأنه (استثمار سيادي ذكي). فالدّول التي تنجح في القرن الحادي والعشرين ليست تلك التي تملك الموارد فقط، بل التي تحسن تحويلها إلى قيمة مضافة مستدامة، وغارا جبيلات، إذا أُدير بكفاءة وشفافية، يمكن أن يشكّل رافعة لتقليص الاعتماد على النّفط، وتخفيف أثر تقلّبات أسعاره على الاقتصاد الوطني.

كما أنّ توصيف منصة (إنرجي كابيتال أند باور) لخط بشار-تندوف باعتباره (العمود الفقري) لاقتصاد ما بعد المحروقات يعكس وعيًا متزايدًا بأنّ البنية التحتية هي أساس كل تحوّل اقتصادي حقيقي، فلا صناعة دون نقل، ولا تصدير دون لوجستيات، ولا تنافسية دون شبكة متكاملة تربط الإنتاج بالأسواق.

ويأتي تأكيد هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية ليمنح هذه الرؤية بعدًا علميًا وتقنيًا: الاحتياطيات وحدها لا تصنع قوة اقتصادية، بل القدرة على تحويلها إلى إنتاج فعلي، وهنا تكمن أهمية المشروع، لا بوصفه استغلالًا لمنجم فحسب، بل كنموذج لكيفية توظيف الثروة الطبيعية في خدمة التنمية.

غير أنّ الاعتراف الدّولي، مهما كان مهمًا، لا ينبغي أن يتحوّل إلى حالة من الرّضا الذّاتي، فالتحدي الحقيقي يبدأ بعد الإنجاز: في الحوكمة، في الشفافية، في توطين الصّناعات التحويلية، وفي ضمان أن تعود عوائد المشروع على التنمية المحلية، والتّشغيل، والبحث العلمي، وهذا هو الرّهان الحقيقي للدولة الجزائرية والذي تحسب له حسبته الصحيحة الناجعة.

إنّ مشروع غارا جبيلات، كما تعكسه القراءات الدّولية، ليس مجرّد خبر اقتصادي إيجابي، بل مؤشر على تحوّل عميق في التفكير التنموي الجزائري، إنّه انتقال من اقتصاد يعتمد على مورد واحد، إلى اقتصاد يسعى لبناء منظومة إنتاج متكاملة، وإذا نجحت الجزائر في ترسيخ هذا المسار -والاعتقاد أنها ستنجح بحول الله-، فإنّها لن تكسر (لعنة النفط) فحسب، بل ستؤسّس لنموذج تنموي أكثر سيادة واستدامة في المنطقة.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!