غرداية ـ أثينا (الجزء الأول)
كل الذين كتبوا عن مشاكل غرداية قالوا إنها لا تتعلق بقضايا خلاف ديني بين الإباضية والمالكية، وكذلك أنها لا تتعلق بقضايا خلاف عرقي بين بربر وعرب، وكان الساسة عندنا قد قالوا منذ بدأت أحداث غرداية قبل عامين إنها ليست من فعل خارجي، وفي الأيام الأخيرة عدلوا عن مقولتهم هذه… وعلى ذلك فالسؤال الحقيقي: لماذا غرداية بالذات؟
الدولة الجزائرية مستهدفة لسببين:
1– إنها الدولة العربية الوحيدة التي قامت في القرن العشرين بإرادة شعبها وكفاحه وهو الذي وضع مواصفاتها “إقامة دولة اجتماعية في إطار المبادئ الإسلامية”. ونقول الوحيدة لأن الدول العربية في المشرق أقيمت ضمن اتفاقية سايكس بيكو ولم تكن الشعوب العربية تريد ذلك بل كانت إرادتها إقامة دولة الوحدة العربية، وأما في المغرب العربي فإنه تمّ استيعاب الحركة الاستقلالية في إطار خطط فرنسا في الجزائر.
2– إن الجيش الوطني الشعبي الجزائري مستهدَف لأنه الجيش العربي الوحيد الذي أقامه الشعب الجزائري بماله ودمه ومساعدة من الشعب العربي، بينما الجيوش العربية الأخرى أسسها الاستعمار البريطاني والفرنسي، وعلى ذلك فإن جيش التحرير الوطني هو الجيش العربي على مرّ التاريخ الذي غنى له الشعراء في الفترة 1954 – 1962.
وهذان سببان كافيان بالنسبة إلى دول الغرب الاستعماري للسعي إلى تفتيت الدولة الجزائرية وإضعاف الجيش الجزائري وأقرب وسيلة إلى ذلك هو إغراقهما في العديد من المشاكل الداخلية.. وهو ما نراه منذ عام 1962 حيث كانت القوى الفرانكوفونية ودفعة لاكوست وراء الغالبية العظمى من المشكلات التي يشاهدها المجتمع الجزائري اجتماعية واقتصادية وسياسية وإدارية، وهنا نضيف إلى عدم تشجيع الإنتاج الفلسفي، تردي الثقافة السياسية، فحتى اللحظة لم تقدم هذه التي نسميها طبقة سياسية أي مشروع وطني نابع من المجتمع يستوعب مكوّناته وثقافته وتاريخه وحاضره ويستشرف مستقبله من دون أن يعادي هذا الطرف أو ذاك؛ فمن هو السياسي فردا أو حزبا من له تصوّر عما سيكون عليه الجزائري عام 2100 مثلا؟ لذلك فصراعات أحزابنا صراعاتٌ رديئة مثل صراعات صغار الموظفين على المناصب الإدارية.
ولأن الإدارة الفرنكفونية أفرغت الدولة من محتواها الثقافي وعقلها السياسي وحولت فكرة الأمن القومي من قضية استراتيجية أمة إلى مهمة شرطية، اعتقدت دول الغرب في تسعينيات القرن العشرين أنه آن الأوان للانقضاض على الدولة الجزائرية فاستعملت لذلك التيار الإسلامي وفي نفس الوقت استعملته في تخويف الشعب والدولة. ولعلي كنت من أوائل الكتّاب الذين حذروا من ذلك.
والأزمة في أوجها، بل إن كثيراً من الصحافيين الجزائريين قد غادروا الوطن نتيجة التخويف. لكن أصحاب تلك المؤامرة على الجزائر وأدواتهم المحلية فوجئوا بأن الشعب الجزائري، كان أكثر وعيا من الإدارة ومن الساسة ووقف مع جيشه الوطني الشعبي.. لكن الذي حدث ـ خاصة بعد2011 ـ هو أن شعار الإسلام والدولة الإسلامية انتقلت به الدول الكبرى وبمساعدة غير منكورة من تلك الدول التي لم تؤسسها شعوبها، إلى تلك الدول وركبت به الحراك الاجتماعي العربي، وهاهو العراق وسوريا واليمن ومصر وليبيا وتونس في معاناة جد شديدة.
هل سأل أحدكم: وما دخل ذلك في غرداية؟
إذن تابعوا الحلقة الثانية.