غزة بلا كهرباء ولا ماء ولا دواء..
كم قتلوك وحاصروك، وجهزوا لك الاكفان ليلا، فكنت كما أنت دوما عنقاءَ تخرج من تحت الرماد، تختصرين فلسطين المجيدة كلها في أزقة مخيماتك العتية.. أحبَّك كل من فيه ذرة وطنية، لأنك رافعة المشروع الوطني، وأحبك كل من في قلبه ذرة من دين، لأنك حصن الإسلام في فلسطين، وأحبك كل من في قلبه ذرة من إنسانية، لأنك الإنسان النازف دما بكبرياء، فكان شهداؤك من الوطنيين والإسلاميين والإنسانيين. كان أبو يوسف النجار، وعبدالعزيز الرنتيسي، وراشيل كوري، وجورج غالوي، عناوين لقوافل الشهداء والمناضلين على ترابك العصي على الاحتلال.
غزة بلا كهرباء.. غزة بلا ماء.. غزة بلا دواء.. ولكن غزة تصنع أيامنا المشرقات القادمات الرائعات، فمن سوى غزة في هذا الزمان صحيح الاتجاه؟ ومن سواها سليم الوجدان؟ ومن سواها يتصدى لكامل العدوان؟.. هي غزة كمال عدوان وابوجهاد وفتحي شقاقي واحمد ياسين وجمال ابوسمهدانة والعبد القوقا ورفيق السالمي والآخرين الكثيرين، الموزعة دماؤهم على الفواصل والمفاصل، وفي عروق الأرض.. وهي غزة الأكبر من أي اتجاه سياسي، وأوسع من أي إطار حزبي، وأبعد نظرا من حدود الجغرافيا، لأنها تكثيف فلسطين وبدايات انتصارها.
غزة يا سيدة المكان وسيدة الزمان، كم أنت واضحة كحبات الرمل الصافية في سوافيك الساحرة، وكم أنت ملحاحة طلبا للحرية الكبرى، بعد أن طهر بنوك أرضك المعجزة من دنس المحتلين، ملحاحة لحوحة كما هي أمواج بحرك العنيد، فتقبلي في هذه الصباحات دموع محبيك الخائفين عليك، وارحميهم وهم يتنادون في كل بلاد العرب والمسلمين والعالمين لتأدية التحية لك.
غزة اليوم يراد لها أن يبتلعها النسيان، وظن البعض أن التاريخ تآمر عليها، وأنها أصبحت في حكم الماضي.. ولكن السنين الماضية القاسية كشفت إلى أي مدى يحتمي الفلسطينيون في ظل قامتها العالية، وكم انتشى الأحرار وهم يرونك تنوبين عنهم جميعا بكفك المشرع في مواجهة مخرز الشر والجريمة.
الحاقدون عليك ـ ولا يهم هنا ما اسماؤهم ولا عناوينهم ولا الوانهم ـ يصابون بالذعر كلما تململت بعد مذبحة، وكلما زأرت بعد انتكاسة.. إنهم لا يحقدون عليك إلا لشموخك يا قاعدة انتصارنا الأولى، وإنهم يعرفون أن لك في كل بيت فلسطيني جذورا، وفي كل بيت عربي حضورا، وفي كل ضمير إنساني هتافا، فماذا يفعل الطفيليون الخائبون الساقطون في وحل الرذيلة المتسقطون للتافه من القول والفعل؟ ماذا يفعل هؤلاء شذاذ الآفاق مشوهو الضمائر؟؟ إنهم لن يفعلوا إلا كما تفعل النار بالذهب.. أما سيفك فسيظل مشرعا، وروحك مشتعلة، ونفسك عزيزة، تهتفين بالأحرار: أن أكملوا المشوار حتى عين القدس الشريف.