الرأي

غزة بعد الكارثة

صالح عوض
  • 724
  • 4

لا ندري بأي لغة نكتب لتصل الحقائق إلى من يعنيه الأمر في هذه الأمة؟ لم تعد صرخات الجياع والمقهورين والمحاصَرين قادرة على اختراق حواجز الإغلاق وجدران الحصار.. ولم تعد الصورة الحية كافية لإشعار العرب والمسلمين بما يحصل في غزة..
إن غزة وصلت إلى ما بعد الكارثة.. آلاف التجار في السجون أو مطلوبون للمساءلة بسبب صكوك غير مسددة، عشرات آلاف الموظفين توقف عنهم السلطة رواتبهم التي كانت مختزلة من عدة شهور ولم تر فيض الزيادات من سنوات عشر أو أكثر قليلا.. في غزة حصار وإغلاق وعقاب جماعي وشهداء وجرحى أسبوعيا بالمئات.. في غزة لا عمل ولا رواتب ولا كهرباء ولا حياة.. وفي غزة نسبة بطالة لم يشهدها تاريخ المنطقة؛ ففي غزة الصغيرة أكثر من 200 ألف خريج جامعة بلا وظيفة.
السلطة تطلب أن تتسلم غزة من الباب إلى المحراب وأن يُمكَّن لها في كل مفاصل الحياة حتى تقوم بواجباتها في غزة وحماس تقول لهم: تفضلوا إلا السلاح فهو خط أحمر وهو للدفاع عن الشعب الفلسطيني.. فيزداد حصار السلطة على غزة والإجراءات العقابية تتطور وهي مرشحة للتطور فيما تتجه حماس إلى بدائل إقليمية ودولية لتغطية النفقات على المرافق العامة وفتح أبواب العمل.
غزة بين اشتراطات السلطة ورفض حماس تموت، تختنق، تتهاوى في الموت.. ولسان حال النظام العربي يقول: هذا شأنكم وأنتم أحرار في كيفية إدارة أموركم بأنفسكم، وإن كان الموقف الأوروبي مؤخرا اتخذ قرارا من خلال البرلمان الأوروبي بأنه يدعو إلى رفع الحصار الفوري وغير المشروط عن غزة..
فهل تدفع هذه الإجراءات المتعاقبة إلى فصل غزة بشكل نهائي عن الضفة والسلطة؟ وهنا قد تكون بعض العناصر مشجعة للانفصال، فبعد أن تم الكشف عن الغاز في بحر غزة، وبعد أن استعد الكيان الصهيوني لأن يتنازل عن الضريبة التي ترسم على غزة إلى سكان غزة، وبعد أن أبدى السعوديون والمصريون برامج واسعة لتشغيل آلاف الفلسطينيين من غزة.. بعد كل هذا، هل يصح أن يستمر التعامل العربي والإسلامي مقيد اليدين وفي منأى عن كارثة بكل المستويات والمعاني تحصل في غزة؟
لن تقبل السلطة بأن تظل قوة حماس العسكرية كما هي في غزة، ولن تقبل حماس أبدا التنازل عن سلاحها، والأمر أكبر من شخص ما في حركة حماس… إذن نحن سائرون إلى ما هو بعد الكارثة: ستُغلق المصارف وتتوقف كل أشكال الدعم من السلطة وستجد غزة نفسها في كيان منفصل عن الضفة.
أين التدخل العربي المسؤول؟ أين المساعدة العربية المسؤولة؟ أين موقف الحكومات والأحزاب والجمعيات والقيادات الفكرية والسياسية وأين الإعلام بكل مؤسساته؟ إن عذابات غزة تطارد الجميع وإن جوعها وقهرها وجراحها وأطراف أبنائها المبتورة تلاحق الجميع.. فبأي اللغات يفهم العرب والمسلمون؟.. ولا حول ولا قوة إلا بالله.

مقالات ذات صلة