الرأي

غزة تستأنف حياتها

بقلم: الدكتور حسن العاصي
  • 356
  • 0

الفلسطينيون في غزة الناجون من المذبحة الصهيونية، والذين يعانون من آثار الحرب، لديهم آمال متواضعة من وقف إطلاق النار: العودة إلى منازلهم المدمرة. والنوم ليلة بلا خوف. والحصول على وقت مستقطع للحزن على من فقدوا من أبناء، وأشقاء، وآباء، وأمهات، وأحبة. يحلمون أن يعود الهدوء لمدينتهم، والسكينة لحياتهم، وبقضاء يوم بلا حرب، بسماء لا تمطر صواريخ وقذائف الموت، بخيام وغرف مشتركة في المدارس آمنة من القصف الإسرائيلي، بتنقل بلا حواجز عسكرية تُهين آدميتهم، ويتمنون أن تعود للمآذن نداء الصلاة والتهليل، وصيحات الفرح والتكبير بدل بيانات النعي وبلاغات الإخلاء.
هي أشياء بسيطة افتقدها الغزاويون بسبب طول أمد العدوان الصهيوني، وتقاعس الأشقاء والأقرباء، وعجز العالم “المتحضّر” عن نجدتهم. لقد بدأت المدينة الجريحة في تضميد جراحها، ولملمة أشلائها الممزقة، وإطلاق العنان للدموع المسجونة، وتحرير أحزانها، ومحاولة الفرح للصمود والنجاة.
ما إن أُعلن عن اتفاق وقف إطلاق النار، الذي تم التوصل إليه مساء الأربعاء، حتى امتلأت شوارع غزة المدمرة والمصابة بالحشود المحتفلة المتلهفة لإغلاق هذا الفصل المؤلم، وترددت الهتافات والأناشيد والأغاني الفلكلورية الفلسطينية في الهواء، وتوحَّد أهل غزة في الفرح كما في الوجع. إن رؤية ملامح الفرح العفوي البسيط على وجوه الغزاويين يدعونا إلى إعادة النظر في مفهومي النصر والهزيمة وفق صمود أهل غزّة الراسخ، وفخرهم بعدم انكسارهم أمام أعتى آلة حربية معاصرة.
يحاول الغزاويون الفرح للانفراج المأمول رغم جراحهم، فتجمع أبناء القطاع المكلوم وسط الأضواء الخافتة بسبب انقطاع التيار الكهربائي في أغلب مناطق القطاع، يقفون فوق أنقاض المباني التي دمرها القصف الإسرائيلي الإجرامي، بالقرب من الذكريات الضائعة والمؤلمة بعد غياب أهلها من شهداء ومفقودين في احتفال عفوي بسيط لا يضاهيه فرح، وتعجز الأقلام عن وصفه. كأنهم بفرحهم يعلنون للعالم أجمع: أن غزة باقية رغم محاولات الكيان الصهيوني مسحها، وأن الغزاويين صامدون كعهدهم، متشبّثون بالأرض، وأن العدو الفاشي سيعود من حيث أتى، يجر أذيال الخيبة والعار الذي سيظل يلاحقه نتيجة ارتكابه مجازر الإبادة الجماعية، وجرائم الحرب التي يعاقب عليها القانون الدولي والإنساني.

غزة التي لا تنكسر
الغزيون المنهكون من الحزن الدائم، والرحيل الدائم، ومن الفُقد الدائم، ينتظرون فرصة إعادة الإعمار. يقول سكان غزة إنهم يأملون في العودة إلى منازلهم المتضررة، والبحث عن أحبائهم المفقودين، وانتشال الجثث من تحت الأنقاض. ورغم بعض الفرح بسبب الهدنة، ولكن هناك أيضاً خوفا من المستقبل، وأن الحرب مع إسرائيل قد تُستأنف. وبفضل هذه الحقنة من الحياة الجديدة، أصبح الناس حريصين على العودة إلى الأماكن التي اقتُلِعوا منها، مهما كانت درجة الدمار.
لقد كانت معاناة الفلسطينيين في غزة خلال الأشهر الخمسة عشر الماضية لا تصدَّق. ولكن على الرغم من القتل والدمار غير المسبوقين اللذين ركزا على إقليم غزة الصغير، فإن تصميم الشعب الفلسطيني على البقاء على أرضه -حتى مع تحولها إلى أنقاض- أثبت أنه العامل الحاسم في هذه الحرب. إن هذا إنجازٌ مذهل، إذا ما أخذنا في الاعتبار أن هذه المنطقة التي تبلغ مساحتها 360 كيلومتراً مربعاً كانت معزولة تماماً عن العالم، ولم يكن هناك من حلفاء حقيقيين لكسر الحصار، ولا تضاريس طبيعية لكي يحتمي بها البشر.

“ضعوا السيف على السيف.. نحن رجال محمد ضيف”، “تحية للقسام.. عز الدين”، بهذه الهتافات يؤكد الغزيون الناجون اليوم التزامهم بطريق المقاومة واعتزازهم بالقادة الأبطال الذين قدّموا أروع الأمثلة في التضحية والإخلاص. وتعلن غزة أن قادتها جزء منها، وأنها تناضل من أجل قضية الشعب الفلسطيني، وهي تعبّر عن إرادة هذا الشعب الذي يرفض الخضوع والهوان، وسيظل يقاتل حتى دحر الاحتلال، وتحرير القدس وإقامة الدولة الفلسطينية كاملة السيادة.

غزة تُظهِر لنا أنه في الحروب التحريرية، يمكن للشعوب الضعيفة والأقل تسليحاً أن تنجح في مواجهة القوات العسكرية الساحقة. مثل هذه الحروب هي معارك إرادات. المعركة بذاتها ليست هي المهمة، بل القدرة على الاستمرار في القتال. وقد أثبت تصميم الغزيين على المقاومة أنه أكثر حسماً من قوة النيران لدى الجيش الصهيوني.

الشعب الصامد
هناك، في مدن بيت حانون، وجباليا، وبيت لاهيا، ومخيم النصيرات، تترقب عيون النازحين واللاجئين في جنوب قطاع غزة الأيام، وتعد الساعات بأنفاسها وليس بالدقائق. هناك، حيث ترقد قبور الأحباء الشهداء الذين قضوا تنتظر زيارة الأهل والخلان، أرواح تتوق للقاء من فارقتها. وكلمات ما زالت تنتظر أن تُقال لأمهات وآباء وأشقاء وأبناء رحلوا في غفلة من دون وداع بسبب صاروخ أو قذيفة أو شظية صهيونية. وآخرون ما يزالون لا يعرفون أين دُفن شهداؤهم ولا تحت أي ركام ينتظرون؟ ولكن رغم المأساة الدامية، إلا أن الغزيين مصرّون على مداواة جراحهم، والعودة للحياة مرة أخرى، وهم يدركون حقيقة معركتهم والثمن الباهظ الذي تتطلبه، والذي يأتي بمزيد من الشهداء والجرحى والأسرى والنازحين، إلا أنهم يفتخرون بانتصارهم على عدو لم يستطع كسرهم رغم الدعم غير المحدود من حلفائه الأميركيين والغربيين. العدو لم يحقق أيًّا من أهدافه المعلنة أو مخططاته الشيطانية، فالمقاومة لم تنته،ولم يقم بفرض واقع جديد بشروطه في القطاع، ولم ينجح في تهجير أصحاب الأرض الشرعيين، ولن يحرر الأسرى الصهاينة إلا من خلال صفقة لا يمكن أن تتم إلا بموافقة المقاومة والشعب الصامد.

مدينة الأبطال
“ضعوا السيف على السيف.. نحن رجال محمد ضيف”، “تحية للقسام.. عز الدين”، بهذه الهتافات يؤكد الغزيون الناجون اليوم التزامهم بطريق المقاومة واعتزازهم بالقادة الأبطال الذين قدّموا أروع الأمثلة في التضحية والإخلاص. وتعلن غزة أن قادتها جزء منها، وأنها تناضل من أجل قضية الشعب الفلسطيني، وهي تعبّر عن إرادة هذا الشعب الذي يرفض الخضوع والهوان، وسيظل يقاتل حتى دحر الاحتلال، وتحرير القدس وإقامة الدولة الفلسطينية كاملة السيادة.
وتفخر غزة أنها أنجبت أبطالا لم يغادروا ساحة المعركة منذ تحصنوا في مواقعهم، مناضلين أذلوا العدو وأرغموه على الاعتراف ببسالتهم بعد أن كان جنود الاحتلال متغطرسين في بداية العدوان الأخير، ثبت لهم أن دخول غزة ليس كما كانوا يظنون.
وعلى أطراف المدن والقرى والبلدات، ينتظر أهل غزة الصامدون فرحتهم الكبرى، بعودة أسراهم المفقودين من سجون الاحتلال، الذين قضى بعضهم ما بين الثلاثين والأربعين عاماً. وهم الآن على أعتاب العودة إلى ديارهم، يحملون معهم شرف الصمود في وجه الجلادين بكل فخر. فيما يعود الأسرى الإسرائيليين مكللين بعار جيشهم الذي قتل الأطفال والنساء، تنتظرهم يد العدالة الجنائية الدولية.

أمنيات بسيطة
للغزاويين أمنيات بسيطة: العودة إلى المنازل التي تحوّلت إلى أنقاض، والنوم ليلة بلا خوف.
دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ يعني أنّه من شأنه أن يجلب لسكان غزة البالغ عددهم مليوني نسمة بعض الراحة لمدة 42 يوما من حرب لا هوادة فيها، تقول السلطات الصحية الفلسطينية إنها قتلت ما لا يقل عن 47 ألف شخص.
منذ 7 أكتوبر، دمِّرت مساحات شاسعة من غزة، ومحيت أحياء بأكملها من الوجود. وكان القصف مصحوباً بانتشار الأمراض، كما دفع 2.4 مليون غزاوي إلى حافة المجاعة، ونزح أكثر من 90% من الناجين من منازلهم، وكثير منهم نزحوا عدة مرات، وفقاً للأمم المتحدة.
يقول أحد الغزيين: “نريد أن تنتهي الحرب حتى نتمكن من البكاء والذهاب لوضع خيمة فوق أنقاض منزلنا”.
ما قد يحمله المستقبل لا يزال غير مؤكد إلى حد كبير. ومن المتوقع أن تبدأ المفاوضات بشأن المرحلة الثانية من الصفقة، عندما يُطلق سراح بقية الأسرى الصهاينة في مقابل الانسحاب الكامل للقوات الإسرائيلية، في الأسابيع المقبلة. ولا تزال خطط إعادة الإعمار، ومن سيدير القطاع، غير واضحة.
يوم من السعادة والحزن
قالت غادة وهي أم لخمسة أطفال نزحت من منزلها في مدينة غزة خلال الصراع المستمر منذ 15 شهراً “أنا سعيدة، نعم أبكي لكن هذه دموع الفرح”.
وقال دهمان، الذي نزح مثل غادة من مدينة غزة ويعيش في دير البلح: “أشعر بمزيج من السعادة لأن الأرواح تُنقذ والدماء توقف. لكنني أشعر بالقلق أيضاً بشأن صدمة ما بعد الحرب لما سنراه في الشوارع ومنازلنا المدمرة ووالدي الذي لا يزال جثمانه تحت الأنقاض”.
وقالت والدته بشرى إن وقف إطلاق النار لن يعيد زوجها لكن على الأقل قد ينقذ أرواحاً أخرى. وقالت الأم الباكية: “سأبكي، كما لم يحدث من قبل. لم تمنحنا هذه الحرب الوحشية الوقت للبكاء”.

مقالات ذات صلة