الرأي

غزة تُفَعِّلُ صحيفة المدينة المنوَّرة

د محمد مراح
  • 287
  • 0

حفلت السيرة النبوية المطهرة على صاحبه الصلاة والسلام بمحطات مركزية وأخرى فرعية منبثقة عنها ترسم للمسلمين المسار الأزلي لوجودهم ومعادهم. والهجرة النبوية المباركة انبعاث للبعثة لميزتهاالأساس؛ الانتشار والتصاعد للرسالة الخاتمة، فهي المحطة الكبرى الثانية في دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم البشرية برسالته الخاتمة. ومن بركاتها الإلهية على المسلمين والبشرية انبعاث مرحلة التشريع العملي للمجتمع المسلم الذي حكم ووَجّهَ الحضارة الإسلامية.
وها هي ذكرى الهجرة تنشر أنوار صاحبها صلى الله عليه وسلم على الأمة في واحدة من أشد المراحل بأسا مرت بها ؛ تمحيصا للمبادئ والقيم والمثل العليا التي تتدافع بها المنظومات الحضارية والديانات والأفكار الكبرى، لمآل ومصير البشرية على وقع نداء فطرتها الأولى التي لا يلبيها لها سوى رسالة محمد صلى الله عليه وسلم.
و لا شك أن قوة اشتداد الشدائد على أمة نبي الوحي الخاتم، التي يشير إليها الدفق النفسي لطوفان بشري في جريان أفدح الحوادث النازلة ببعض أوطانهم وشعوبهم، تقودها قيم ومبادئ ومنظومات فكرية وأخلاقية شيدت الحضارة الإنسانية القائمة، والتي أحدثت صدمة نفسية عميقة في نفوس من ظنوا النور ضياء؛ فإذا بعض أشعته استحالت شواظا من لهيب يحرق أحشاء نفوس صاغتها قيم إنسانية وثقافية وجمالية حضارية، ظنتها الكمال السرمدي.
وكأنما أختار الله تعالى لــ”غزة ” أن تكون باعثة للفطرة المستقرة بين جوانح شعوب الحضارة من مكامنها وفتح أعينهم على العدو الأزلي للفطرة الإنسانية. هذا العدو الأزلي الذي كان له الدور الأوفر في تشكيل فكر الحضارة وفلسفتها ونظمها المعرفية وممارساتها السياسية التي ولدت فيما ولدت قدرة عجيبة على توليد التناقضات التي أصبحت أبرز معالم الممارسة السياسية في مراكز الحضارة الحديثة، فالعقل ليس ملكة جبارة للفكر والابتكار والإبداع فحسب، بل قدرة خارقة على تدوير الأحكام والأوصاف والحجج لتبدو في كل حركة دوران “حقا” و”عدلا” و”حضارة” أرادها القوي أن تكون كذلك، ولو على أشلاء الضعاف. وقد رسم الأستاذ مالك بن نبي رحمه الله لهذا الأمر صورة بديعة فقال “… تنقلب العلاقات في العقل الغربي كما تنقلب الألوان في التجربة السالبة في التصوير؛ وذلك حين يتصل الأمر بأحداث خارج أوروبا”.
تمنح الهجرة النبوية بمعيار آثارها الزمنية والمكانية المستمرة، المسلم وغير المسلم طالب الحكمة، ما تقدِّمه للفطرة البشرية المتحفزة لليقظة وتفعيل آثارها في الذات التي تلبستها، يضعنا الحدث الأعظم المستمر منذ “الطوفان” الطاهر إلى اليوم أمام “صحيفة المدينة” التي عدّها فقهاء الدستور العقلاء المنصفون، دستورا للدولة الإسلامية التي شرع النبي صلى الله عليه وسلم لدخوله المدينة المنورة في وضع قواعدها الرئيسة. والفصل أو الجزء ذو الصلة بحديث المقال هو ما عُرف بموادعة النبي صلى الله عليه وسلم يهودَ يثرب؛ فاغلب كتب السيرة النبوية المطهرة تتحدث عنه صراحة أو ضمنا أنه معاهدة عقدها النبي صلى الله عليه وسلم مع اليهود. حددت وضعهم الحقوقي والتزامات المواطنة، والجزاءات المترتبة عن الجرائم السياسية على وجه الخصوص، بصفتهم فئة دينية مخالِفة للمجتمع المسلم الجديد.

 كأنما أختار الله تعالى لــ”غزة ” أن تكون باعثة للفطرة المستقرة بين جوانح شعوب الحضارة من مكامنها وفتح أعينهم على العدو الأزلي للفطرة الإنسانية. هذا العدو الأزلي الذي كان له الدور الأوفر في تشكيل فكر الحضارة وفلسفتها ونظمها المعرفية وممارساتها السياسية التي ولدت فيما ولدت قدرة عجيبة على توليد التناقضات التي أصبحت أبرز معالم الممارسة السياسية في مراكز الحضارة الحديثة، فالعقل ليس ملكة جبارة للفكر والابتكار والإبداع فحسب، بل قدرة خارقة على تدوير الأحكام والأوصاف والحجج لتبدو في كل حركة دوران “حقا” و”عدلا” و”حضارة” أرادها القوي أن تكون كذلك، ولو على أشلاء الضعاف.

لكن منهج الفكر الإسلامي الذي أسَّس للاجتهاد الذي شجع عليه النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة الكرام رضي الله عنهم، قولا وعملا بتمرينهم في مواطن معينة على الاجتهاد الفقهي، وسار عليه الاجتهاد في الإسلام، أسفر عن نظر تدقيق عميق، واجتهاد سليم على سنة الاجتهاد الإسلامي عبر عصور الاجتهاد العلمي والسوي المبدع، ذهب فيه الشيخ محمد الصادق إبراهيم عرجون رحمه الله في سفره الجليل “محمد رسول الله منهج ورسالة وبحث وتحقيق”، ذهب فيه إلى أن منطوق الصحيفة لم يمنح يهود المدينة أفضلية الفئة المستقلة عن قبائل المدينة أصولا وفروعا؛ منحتهم الصحيفة المنزلة والمكانة الخاصة؛ بل تعاملت معهم بمنطق الملحقين بالقبائل العربية من المهاجرين والأنصار ومن لحق بهم من المسلمين للمدينة، يقول: ” … استغرق صدر الكتاب {الصحيفة} في تفصيل روابط المجتمع المسلم، وضوابط حياته في مستقبله والتزاماته نحو عناصره المكرب منها بناؤه… ثم بعد ذلك كله ذكر الكتاب اليهود في عبارة عابرة، صريحة بتبعية اليهود للمجتمع المسلم؛ “فجاء فيه: وإنه من تبعنا من يهود فإن له النصر والأسورة غير مظلومين، ومتناصر عليهم”… ثم ذكر الكتاب ما هو أدخل في إبراز تبعية اليهود للمجتمع المسلم، فنسب يهود كل طائفة من الأنصار إليها فقال: “وإن يهود بني عوف أمة مع المؤمنين، لليهود دينهم، وللمسلمين دينهم، مواليهم وأنفسهم، إلا من ظلم أو أثم فأنه لا يوتغ -أي يوبق ولا يهلك – إلا نفسه وأهل بيته”.
ويفسر الحكمة من ذلك في قوله: ” … ولإظهار تبعية اليهود لهذا المجتمع المسلم بعد شموخهم وغطرستهم وغرورهم وتحكُّمهم في الأوس والخزرج قبل أن يدخل الإسلام عليهم… وأنه لم يكن قط كتابا كتُبِ وقُصِد قصدا أوليا لموادعة اليهود ومعاهدتهم وتأمينهم على دينهم وأموالهم، والاشتراط عليهم، والشرط لهم. وكل ما جاء في الكتاب {الصحيفة} من هذا النحو إنما جاء في ظل تبعية اليهود للمجتمع المسلم، وإظهار سلطان هذا المجتمع بقيادة سيد المرسلين محمد صلى الله عليه وسلم” . ويبرهن بالنظر في النص على أن الموادعة لم تكن معاهدة موجَّهة خاصة لليهود؛ لأنها في أفضل أحوالها أقل محتويات الصحيفة، وبعضها كما وكيفا.ج3، ص، ص:178، 179، 180.
ويعمق نظَر الإمام محمد أبو زهرة رحمه الله تعالى هذا النظر وتوجيه المسألة نحو موضعها الحقيق بأصحابها أن يوضعوا فيه؛ يستخلص عقله الفقهي القانوني الفذ الذي عُرف عنه وتموج به مؤلفاته الفريدة، التوجيه الفقهي الدستوري بقوله: “بمقتضى هذه الوثيقة يصير اليهود الذين يقيمون بيثرب رعية واحدة، فلا تكون لهم أحكام خاصة بهم لا تسري على غيرهم، ولا يختصون بنُظم لا تنطبق على غيرهم، وذلك مع الاحتفاظ بدينهم، تراعى فيه حرمة العقيدة، وألا يكون لأحد عليهم سبيلٌ فيها، وأن عليهم حكم الله تعالى، وللنبي صلى الله تعالى عليه وسلم ألا يحكم بينهم إذا وجد مصلحة… وإن هذا يدل على أنهم كانوا خاضعين فيما يتعلق بالنظام العامّ كحرمة الدماء، والظلم، ولكن شئونهم الخاصة لا يحكم النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فيها بينهم إلا إذا جاؤوا إليه، فله أن يحكم، وله أن يعرض. ولذا لا نستطيع أن نقول إنهم كالذميين تماما في الأحكام، ولكنهم من جهة كالذميين، ومن جهة ثانية جيران، يستمتعون بحقهم في المعاملات الخاصة من غير إثم”. ثم يسأل ويجيب :”فهل وفّــى اليهود؟! إن الأمور التي تجري كفيلة بالجواب، مع ملاحظة أن الأمر يوجب الوفاء من الجانبين، وإن أخلَّ أحدهما ذهبت الحقوق التي تضمنتها الوثيقة له، وإذا كان الإخلال فيما يتعلق بالأمور الخارجية، وهي موالاة اليهود للمشركين على المؤمنين، فإنه في هذه الحالة تزول صفة الجوار، ويكون من الواجب على من ينكث أن يترك الجوار، ويتخلى عن الإقامة في المدينة، وحُلَّ للطرف الآخر أن يُخرجه طوعا أو كرها، فإن لم يفعل كان يحلُّ له أن يحمي ظهره، ولو بقتله، لأنه صار عدوًّا له، وأصبح كالثعبان يكون في بطانة الرجل، فيجب أن يبعده، ولو بقتله، لأن الأمر إما سلمٌ فيها الأمن، وإما حربٌ فيها الخوف” خاتم النبيين ج2، ص،ص، 500،501.
وبَعْدُ، فقد وضع هذا الأثر المركزي من آثار الهجرة المركزية في التأسيس والبناء؛ {صحيفة المدينة}، ضمانا لا يقدَّر بثمن للبشرية من ثعابين اللدغ المهلِك للفطرة البشرية، فيخلو السبيل لافتراسها. وما يجري كما ورد في كلام الإمام محمد أبو زهرة رحمه الله ويقصد به جرائم الكيان والصهاينة في فلسطين والمشرق العربي في أيامه، وتردده خرائب غزة وخيامها وقلوب دقاتها بكاء أحبة وأنفاسها أهات حرقة الهوان، وأجسادها خض تجهم القريب.
وقد تكون هبّة الفطرة البشرية التي استنفرت في مراكز الحضارة ،أول الخطو نحو رحاب أنوار صاحب الهجرة صلى الله عليه وسلم، لإعادة الدور الذي تُرْصَدُ فيه الثعابين، فتخرج طوعا أو كرها من منظومة إعداد المستقبل الآمن للبشرية من غوائل لدغاتها.

مقالات ذات صلة