الرأي

غزوة العم سام لبلد المختار

حبيب راشدين
  • 4566
  • 9
ح. م

بطلب من حكومةٍ ليبية “مستورَدة” ليس لها مثقال ذرة من الشرعية، شنت الولايات المتحدة أولى الغارات الجوية على مدينة سيرت، في عدوان أطلسي متجدِّد، بدأ مع عدوان النيتو على الجماهرية منذ خمس سنوات، انتهى مؤقتا باعدام القذافي، وهدم الدولة الليبية، ووضع الشعب الليبي تحت رحمة وعبث الميليشيات.

ساعات بعد تنفيذ الضربة الجوية الأمريكية الأولى، خرج السيد السراج (قرضاي ليبيا الجديد) ليعلن بكل فخر واعتزاز أن الهجوم قد “كبّد العدوّ خسائر فادحة في الأرواح والعتاد” وأنه تمّ بطلب من حكومته كاجراء “سيادي”، تماما كما فعل “قرضايات” أفغانستان والعراق وسورية واليمن.

العدوان الجديد كان متوقعا (حذرتُ منه منذ أسبوعين) سبقه عملٌ استخباراتي على الأرض نفذته قواتٌ خاصة فرنسية وبريطانية، استباحت سيادة بلدٍ وشعب هما اليوم ضحية ثلة من أمراء الحرب، قد سبق لهم ارتكاب جرائم حرب بربرية تحت حماية طائرات النيتو هي أفظع من جرائم تنظيم “الدولة” في العراق والشام، نفذها “ثوار النيتو” تحت رايات اسلامية كاذبة، على غرار الرايات الكاذبة في الشام. 

وقبل أن يُوجَّه الاتهام للولايات المتحدة، يحسن بالليبيين اتهام تلك الثلة من المغامرين من أبنائهم التي رضيت بالقتال تحت قيادة المخابرات البريطانية وحماية طائرات النيتو، وانتهت بقتل أكثر من خمسين ألف ليبي، وهدم ثلث عمران البلد، لتحصد ما حصده قرضاي أفغانستان وإخوانه، وما جنته الحكومات العميلة في العراق، وما سيجنيه الأسد من التدخل الإيراني الروسي.

ما ينتظر الليبيين ـ حتى لو نجح العدوان الأمريكي في القضاء على تنظيم “داعش” بسيرت ـ هو ما يتجرَّعه الأفغان والعراقيون منذ تجيير الأمريكان لرايتهم الإرهابية الكاذبة في 11 سبتمبر 2001، والتي سمحت لهم باستباحة سيادة دول عربية وإسلامية، وأذنت لحربٍ عالمية مفتوحة على المسلمين، نراها اليوم تتطوَّر من عدوان على دول ذات سيادة، إلى عدوان على شعوب ليس لها دول، ثم إلى ملاحقة ومطاردة فردية على الهوية حيثما وُجد المسلمون.

محليا، لن يُنهي العدوان الأمريكي على سيرت ظاهرة العنف في ليبيا، ولن يزيد سوى من تعقيد أزمةٍ مركَّبة حوَّلت ليبيا إلى “مدن ـ إمارات” تديرها ميليشياتٌ مسلحة بترسانة الجيوش النظامية، لن تسمح أبدا بقيام حكومة وطنية مركزية تحرمها من الريع السهل، في بلد كانت القبلية قد هيّأته للتعايش مع غياب الدولة التي يبقى قيامها ممتنعا كيفما كان حجم الدعم الخارجي الذي تستحلبه هذه الميلشيا أو تلك.

اقليميا، سيكون التدخل العسكري الأمريكي الجديد على ليبيا عدوانا مزدوجا على الليبيين كما على جيرانهم وأشقائهم في شمال إفريقيا، لأن ظاهرة “داعش” التي يراد تسويقها كظاهرة ارهابية صرفة، باتت تعمل مثل الأواني المستطرقة، لا يكاد التنظيم يُستهدَف في موقع حتى يهاجر إلى موقع بديل داخل جغرافيةٍ عربية إسلامية حبلى بما هو أخطر من “القاعدة” ومن “داعش”، وما يكاد العدوان ينجح في سيرت حتى يستوطن التنظيم في الفضاء الرَّخو من حوله، أقربه إليه اليوم تونس المستضعَفة بمخلفات التهارش على غلال ربيع مغشوش، سوف تكون حتما المحطة القادمة لقيام كيان بديل لتنظيم “الدولة” في بلاد المغرب العربي.

مقالات ذات صلة