غزوة المليكشي في بلاد الضباب(1)
أعود مرَة أخرى إلى رحاب جريدتنا الغراء “الشروق اليومي” لأستكمل تداعيات قصيدة “العودة إلى ثيزي راشد” التي انتقدت فيها ديكتاتورية وانحرافات حزب جبهة التحرير الوطني في الندوة الشعرية “محمد أل خليفة” بمدينة بسكرة في عام 1983-1984 والتي دعوت فيها إلى فتح مسار التعددية الحزبية واحترام إرادة الشعب الجزائري ، وإنهاء عهود تكبيل حرية التعبير والإقصاء والثورة على فلول الرأسمالية المتوحشة التي وجدت التشجيع والمؤازرة من طرف نظام الرئيس الراحل الشاذلي بن جديد.
أذكر القراء الكرام أنني في الحلقات التي نشرتها لي “الشروق اليومي” على صفحاتها منذ أكثر من سنتين ومن ثم في كتاب مستقل تحت عنوان “قصة قصيدة” قد ركزت على الأسباب التي حفزتني على كتابة هذه القصيدة والمشكلات التي أثارتها منها الطوق والحصار المضروبين حينذاك علي فضلا عن محاولة تصفيتي جسديا. وفي الحلقات المقبلة سأركز على تفاصيل حياتي الشخصية والإعلامية والثقافية والفكرية جنبا إلى جنب مواصلتي للنضال في موقعي بمنفاي ببريطانيا ضد إلغاء المرحلة الثانية من الانتخابات التشريعية التي أدى إجهاضها غير الديمقراطي إلى اندلاع الصراع المسلح الدموي المفروض على المجتمع الجزائري الذي عانى ولا يزال يعاني حتى الآن من القهر السياسي والتفقير الاقتصادي ومن تجاهل الحكام لطموحاته المشروعة.
أريد أن أوضح أنه قبل مغادرتي للتراب الجزائري في عام 1986إلى بريطانيا – هروبا من محاصرة حزب جبهة التحرير لي وخاصة من طرف العقيد مصطفى بن عودة عضو أمانته الدائمة ورئيس لجنة الانضباط التي تسلط سيف ديموقليس على كل من يختلف مع الحزب العتيد، ومن أجل تفادي تعسف جهاز الأمن الذي سلط علي عقوبة التوقيع كل صباح حتى يتأكد المسؤولون عليه من حركاتي اليومية ومن عدم تمرد كريات دمي على غبار السياسة العرجاء الذي كان يراود قلبي – حضرت جزء من أعمال مؤتمر اتحاد الكتاب الجزائريين الذي انعقد بقصر الصنوبر، وعندما تمت المصادقة على جزء من التقرير المالي الذي كان يخص العلاقات الخارجية التي كنت مسؤولا عليها من دون تسجيل أية مخالفة ضدي اطمأن ضميري، ومن ثم خرجت من قاعة المؤتمر بهدوء والحزن يحفر جبهتي وقلبي معا. فجأة أبصرت السيد مولود قاسم، الذي رحل الآن عن دنيانا، غير بعيد مني يتحدث مع شخص لم أكن أعرفه. أسرعت الخطى باتجاه البوابة الأساسية وبذلت أقصى جهدي كي لا يدرك أحد أنني انسحبت من المؤتمر لأنني كنت أعرف أن بعضهم سيحاول إقناعي بالبقاء وهيهات. بعد خروجي من تلك البوابة التي رأت الكثير من القيادات والشخصيات السياسية استأجرت سيارة واتجهت مباشرة إلى شقتي الصغيرة بشارع “طرولار” بجانب الجامعة المركزية بالجزائر العاصمة. فور دخولي إليها اتصلت هاتفيا بصديقي “البروتوكول” بحزب جبهة التحرير الوطني الذي وعدني باستخراج جواز سفر لي وأجابني وقال لي بصوت مفعم بالمحبة: “الباسبور جاهز”. ذهبت إليه فورا وسلمت عليه بحرارة وسلم لي الجواز الجديد. كدت أن أفقد وعيي من الفرح. ألحّ علي هذا الرجل الطيب أن لا أذكر اسمه وما فعله لي أبدا في حالة خضوعي للمساءلة بخصوص استخراج جواز سفر من دون أن يخضع ملفي للتحقيق مسبقا ووفقا للإجراءات الأمنية المعمول بها. طمأنت صديقي ووعدته بكتمان السر إلى يوم الدين. في نفس اليوم اشتريت بطاقة السفر إلى لندن ذهابا وإيابا عن قصد حتى لا يخامر شرطة الحدود إنني ذاهب بلا رجعة، كما اتصلت بالصديق الروائي “رشيد بوجذرة” وطلبت منه أن يقرض لي مبلغ ستمائة دينار جزائري فأجاب بنعم، وأخبرته أيضا بأنني قاب قوسين من المغادرة إلى بريطانيا للالتحاق بمجلة “الدستور”. بعد وقت قصير التقينا وسلم لي المبلغ مشكورا وكذلك نسخة من روايته “معركة الزقاق” وأوصاني بنشرها له في حلقات على صفحات المجلة المذكورة آنفا. بعد دقائق قليلة افترقت مع رشيد بوجذرة واتجهت على عجل إلى شقتي وشرعت في ترتيب حقيبتي استعدادا للسفر إلى بلاد الضباب/ انجلترا في اليوم التالي. لم أنم في ذلك الليل الذي كان أطول من الأبدية جراء الهواجس المخيفة التي تسللت إلى شرفات قلبي، وبسبب استغراقي طويلا في رسم عدة سيناريوهات لعلها تمكنني من تجاوز عقبة مطار هواري بومدين المصفح بالشرطة والمخابرات.
بينما كنت أصارع الأرق خطرت لي فكرة في منتهى المعقولية والجاذبية وتتمثل في أن أتجه إلى القاعة الشرفية لأن المسؤولين عليها كانوا يعرفونني بحكم كوني أمينا وطنيا للعلاقات الخارجية باتحاد الكتاب الجزائريين، وأنني قد سبق لي أيضا أن سافرت إلى الخارج عن طريق هذه القاعة مع الدكتور العربي الزبيري الذي كان في ذلك الوقت أمينا عاما لاتحاد الكتاب، وعضوا إضافيا في اللجنة المركزية في آن واحد، كما أنني قد استقبلت عشرات وفود اتحادات الكتاب الأجانب عدة مرات في تلك القاعة بالذات. خمنت أن مسؤولي القاعة الشرفية لا يدركون كذلك أن عهدتي كأمين وطني قد انتهت. نعم قد كانت الفكرة صائبة مئة بالمائة، لأن الخروج عن طريق القاعة الشرفية يضمن لي عدم المرور على شرطة الجمارك الذين يفتشون كل صغيرة وكبيرة في منطقة الخروج العادية، وعدم النظر في المعلومات المسجلة بخصوصي في الكومبيوتر، خاصة وأنني مطالب أن أوقع كل صباح في مركز الشرطة الواقع قرب مقر ولاية الجزائر العاصمة. في الصباح توجهت إلى القاعة الشرفية بالمطار ومعي حقيبة صغيرة فرحبوا بي هناك كثيرا. أخبرتهم أنني متوجه إلى لندن لأوقع برتوكول تعاون ثقافي مع اتحاد الكتاب البريطانيين فصدقوا أمري وقاموا بالإجراءات اللازمة بسرعة، ومن ثم قادني مسؤول القاعة الشرفية مباشرة إلى الطائرة، فصعدت سلمها وأخيرا وجدت نفسي في جوفها إلى جانب الركاب.
في تلك اللحظات الحرجة كنت قلقا وخائفا من أن يكتشف أحد ما أمري وأن يؤدي ذلك إلى إخراجي بالقوة من الطائرة. بعد دقائق قليلة جدا تحركت الطائرة وبدأت تسرع وتخترق الممرات رويدا رويدا وأنا كنت أشد على قلبي وأنظر يمينا ويسارا إلى أن دوّى هديرها وراحت تمخر الفضاء وتتصاعد فوق اليابسة. من خلال النافذة الصغيرة نظرت بعمق فرأيت البحر المتوسط يحضن زرقته، وجبال “بوزڤزڤة” تبتعد عن ناظري قليلا قليلا حتى تلاشت نهائيا ولم يبق منها سوى خيالها يسرح في عيني المطلتين على المدى الكوني المغلف بالغيوم الرمادية. وجهت الطائرة خرطومها إلى الشمال باتجاه قارة أوروبا وتذكرت حينذاك، ولأسباب لا أعرفها، رواية الكاتب السوداني الطيب صالح الذي أصبح جاراً لي في لندن، وصديقا نتقاسم “رغيف الغربة” باستمرار. نعم تذكرت روايته “موسم الهجرة إلى الشمال” في الوقت الذي واصلت فيه الطائرة اندفاعها نحو بلاد الشاعر العبقري “جون كيتس” الذي كتبت مقالا عندما كان عمري 18 سنة أقارن بينه وبين الشاعر التونسي أبو القاسم الشابي مع التركيز المكثف على موضوع الحرية في شعر كل واحد منهما وبعد مدة نشرته على صفحات مجلة “المجاهد” الأسبوعي لم أجمعه حتى يومنا هذا.
بعد دخول تلك الطائرة في منطقة المياه الدولية تنفست الصعداء وأحسست أن جبلا من الرماد راح يسقط عن كاهلي وآخر من الصقيع يخرج في لمح البرق من مسام جلدي. هكذا بدأت مرحلة أخرى في حياتي في بلاد الإنجليز التي كانت يوما إمبراطورية لا تغرب عنها الشمس وأصبحت لي، ولسنوات طويلة، مرآة كبيرة أرى فيها تضاريس تاريخ بلادي، وتاريخ ذاتي القديمة، وملامح هويتي الجديدة التي كان عليّ أن أبدأ في صنعها هناك. وأنا بداخل الطائرة حدقت في انحناءات الفضاء الذي بدا لي مثل حضن والدتي رحت أستعيد بصوت منخفض قصيدة كتبتها منذ سنين:
لنرحل بعيدا فكل الشجر
يعيش بداخل عينيك، يغرب حلمي، ويكبر وهمي، بداخل عينيك يعرى القمر
وهذي السماء الجمليه
ستنزل يوما إلى البحر عارية تستحمَ
أظل أسيرا وبين يداي عصاي ومن شفتي تسقط الأسئله
لنرحل معا ياظلال النخيل
فزادي قليل طويل طويل
سأمشي إلى جزرالوهم، أجلس بين جناحي ملاك ومخلب جنية لا تحبَ
وأقرأ من دفتر الاغتراب
حكايا فؤادي البعيد
لساعي البريد
ليرجعني خلسة للمدينه
فأسكن في سلة المهملات
على باب قصر الحكومه
وأقرأ عنك بقايا جريده
سأرسم وجهك فوق المياه
نخيلا يعيد الصبا للحياه