غلبة للمسلمين على من لا دين لهم
قبل نهاية العقد الخامس من هذه الألفية، سوف يتجاوز عدد المسلمين في العالم عدد المسيحيين بجميع أطيافهم وكنائسهم، ليصل إلى 2,8 مليار نسمة؛ أي حوالي ثلث سكان العالم وقتها حسب آخر دراسة أجراها المعهد الأمريكي (PEW) كما سوف تنتزع الهند من اندونيسيا مركز البلد الإسلامي الأول، وحيث يزداد عدد سكان العالم بنسبة 35 % في العقود الثلاثة القادمة، فإن عدد المسلمين سيزداد بنسبة 73 % وسوف يكون عددهم في أوروبا وحدها قريبا من 20 % من مجموع سكان القارة العجوز حسب تقرير آخر لنفس المعهد صدر هذا الخميس.
التقرير تجاهل في المجمل كثيرا من العوامل المؤثرة، ومنها إقبال كثير من الغربيين الأصليين على اعتناق الإسلام خاصة منذ أحداث 11 سبتمبر 2001، ويتعاظم عددُهم مع الانفتاح الإعلامي الذي وفرته الأنترنت، وتعاظم المادة الدينية والثقافية الإسلامية بأغلب لغات العالم، واكتفى التقرير بالتركيز على نسبة الولادة عند المسلمين، حيث تزيد نسبة الإنجاب عن 3,1 طفل لكل امرأة مسلمة مقابل 2,2 عند البقية.
دراساتٌ أخرى سابقة كانت قد أظهرت تجاوز المسلمين لنسبة 50 % من سكان العالم قبل نهاية القرن، مع تحول أوروبا إلى مجتمع بأغلبية مسلمة، وتحول إفريقيا وآسيا إلى أكثر القارات تعدادا مع أغلبية مسلمة، وربما هذا ما يقلق الجهات التي تحرص مع بداية هذه الألفية على رصد نمو الإسلام في العالم، على اعتبار أن مركز الثقل الاقتصادي، من حيث الإنتاج والاستهلاك، سوف ينتقل في أجل منظور إلى القارتين.
أكثر ما يقلق المتخوفين من تعاظم أعداد المسلمين وانتشارهم في القارات الخمس، أنه كلما تزايد عددهم تناقص عدد العرب منهم، وهم يشكلون اليوم فقط أقل من 20 % بما سيحرم حملات استعداء المسلمين من كم هائل من الصور النمطية السلبية المكوَّنة عن العرب عند الغرب المسيحي، من مخلفات مواجهاته الكثيرة والمتواصلة مع العرب أو “السرسانيين” كما يصفهم المؤرخون الغربيون في سير الحروب الصليبية وحروب الاسترداد في الأندلس.
أخطر من هذه الأرقام والإحصائيات مما تتحاشى الاقتراب منه أغلبُ الدراسات الغربية، مع أنه يوجد في قلب الإشكالية التي يطرحها الإسلام على أرباب العولمة، أن الإسلام قد ظهر ونما خارج أي هيمنة لقيادة كنسية كما هو الشأن في المسيحية واليهودية والديانات الأسيوية، ولم يتأثر كثيرا لا بسقوط دولة الخلافة، ولا بطول حقبة الاستعمار، وتفكك وضعف المؤسسات العلمية الفقهية، ولا بهيمنة حكومات علمانية منذ نهاية الحقبة الاستعمارية.
في أقل من قرنين، تم تصفية المسيحية بجميع كنائسها، بالسيطرة على رأس الكنائس وأحبارها، كان آخرها مجمع “فاتيكان اثنين” الذي أفرغ الكاثوليكية من محتواها الديني أو ما كان قد سلم من التحريف الأول الحاصل في مجمع نيقية بقيادة الإمبراطور قسطنطين بداية القرن الرابع، وقد انتهت الكاثوليكية كدين، حتى إن الإحصائيات الواردة في دراسة معهد (PEW) تكون حتما كاذبة حين تذكر عدد المسيحيين وباقي الأديان من جهة الولادة، فيما نرى اليوم كنائسهم ومعابدهم خاوية على عروشها ويضطر المسلمون إلى صلاة الجمعة بالشوارع، وربما يكون قد حان الوقت لتصنيف سكان العالم بين “مسلمين ومن لا دين لهم” لأن ذلك هو حال أغلب المجتمعات الغربية المسيحية، والمجتمعات الأسيوية التي تدين بالبوذية والبرهمانية والهندوسية كثقافة وعادات ليس إلا.