غوركوف.. أهلا به ضيفا فقط!!
لا دخان من غير نار.. حكمة عربية قديمة أثبتت صحتها على مدار السنين، وزيارة المدرب الفرنسي الشهير كريستيان غوركوف لمقر تدريب المنتخبات الوطنية في سيدي موسى ليست مجرد دخان، لكنها للأسف نار.. وأولهما يخنق قليلا ويضايق كثيرا، لكنه يمر ويختفي بلا أثار ضارة.. أما النار فهي مدمرة وحارقة وقاتلة وتترك خلفها أثارا بالغة الأذى على مر التاريخ.
قبل الدخول في تفاصيل الدخان والنار نعرج قليلا في الحديث عن شخصية وإنجازات المدرب كريستيان غوركوف على مدار ربع قرن من الزمان.. وهو يحتفل هذا العام 2014 باليوبيل الماسي لاعتزاله اللعب واحترافه التدريب.
غوركوف المدير الفني لفريق لوريون الرابع عشر الآن في ترتيب الدوري الفرنسي (يضم 20 فريقا.. أي أنه في الثلث الأسفل من الجدول) برصيد 38 نقطة فقط بعد 32 مرحلة لم يفز خلالها، إلا في 10 مباريات مقابل 14 هزيمة.. سجل خلالها 38 هدفا بواقع هدف للمباراة، واهتزت شباك فريقه بـ43 هدفا.. والأرقام لغة تتكلم عن نفسها ولا تحتاج لشرح أو تفسير.
ويتولى غوركوف مهمة المدير الفني لفريق لوريون منذ 11 موسما بالتمام والكمال، ولم يحقق خلالها أي لقب من البطولات الفرنسية الثلاثة للدوري والكأس أو كأس الدوري.. ولم يتأهل فريقه أبدا لأي من البطولات الأوروبية الكبرى، ما يشير إلى أنه لم يكن في ترتيب متقدم بالمسابقة في أي من مواسمه الثلاث عشر المتتالية.. وللعلم تمكنت أندية صغيرة (أقل مالا وجمهورا وتاريخا) من إحراز الألقاب المحلية والتأهل أوروبيا خلال تلك الفترة الطويلة.. وعلى سبيل المثال سبق لنادي غانغون الفوز بكأس فرنسا عام 2009 وهو في الدرجة الثانية.. وكذلك لعب شاتورو من الدرجة الثانية وكيفيلي من الدرجة الثالثة في نهائي كأس فرنسا عامي 2004 و2012.. ونجح نادي فان المغمور في التأهل إلى نهائي كأس الدوري عام 2009.. بينما لم نر لفريق لوريون إنجازا واحدا مع غوركوف في 11 موسما متتاليا، سوى أنه بقي في دوري الدرجة الأولى ولم يهبط مطلقا.. ويحسب لغوركوف الصعود بفريق لوريون من الدرجة الثانية إلى الأولى في فرنسا عام 2006.. وللمدرب الفرنسي تجربة واحدة خارج بلاده مع الغرافة القطري في موسم 2002 -2003 وخسر خلالها لقبي الدوري والكأس بصورة مؤلمة في النهائي.
وفكرة التعاقد مع مدرب جديد تختلف من ناد إلى أخر ومن ناد إلى منتخب وطني ومن منتخب إلى أخر أيضا.. وهناك أندية لا تطمع إلا في البقاء بالدوري الأول وأندية لا ترضى بغير البطولات بديلا.. ومنتخبات مغمورة ترى في الصعود إلى أمم إفريقيا إنجازا يستحق التكريم ومنتخبات أخرى تعيش جماهيرها أحزانا إذا لم تلعب في المونديال.
ولأننا عندما نتعاقد مع مدرب أجنبي للأخضر، فإننا نبحث معه عن إنجازات قارية وعالمية للمنتخب الجزائري، ولا ننتظر منه أبدا عروضا طيبة دون ألقاب أو كؤوس أو ترشح أخر للمونديال.. فإنني لا أجد في ملف غوركوف الطويل لربع قرن ما يشير لتحقيقه أي إنجاز مع أي فريق تولى تدريبه.
حتى عبارات الإشادة والمديح التي يغرق بها أنصاره أو وكلاؤه المواقع والصحف الرياضية لتسويقه خارج فرنسا.. كلها عبارات لا ترتبط أبدا بالنتائج ولا بالإنجازات وإنما تركز على شخصيته وصفاته وأسلوبه.. وأنقل حرفيا ما جاء على صفحته الشخصية على موقع ويكيبديا “يعتبرونه في فرنسا مدربا ذكيا خططيا مع التزام قوي بكرة القدم الهجومية وتركيزه على الناشئين، وهو صاحب فضل في صعود كثير من الموهوبين”.. هذا هو كل المديح الذي طاله في الموقع، وبالطبع بلا أي إشارة للقب أو إنجاز.
ولذلك أجدني متعاطفا ومؤيدا لما ذهب إليه النجم الجزائري جمال بلماضي المدير الفني الحالي لمنتخب قطر في حواره الهاتفي مع الشروق تعليقا على زيارة غوركوف “بكل صراحة ودون علمي لسبب الزيارة الأخيرة التي قام بها مدرب نادي لوريون كريستيان جوركوف لمركز سيدي موسى.. أقول أن ذلك لن يخدم مصلحة المنتخب الوطني المقبل على منافسة كبيرة بحجم كأس العالم، وبالتالي أظن أن توقيت الزيارة لم يكن مناسبا، لأن ذلك قد يحدث فتنة داخل المنتخب الأول عشية المونديال”.. ولكنني أختلف مع بلماضي في كلماته الإطرائية لمجاملة المدرب الفرنسي “هو مدرب كفء وأعرفه جيدا، أنقذ فريق لوريون عدة مرات من السقوط إلى الأقسام السفلى.. ويعشق اللعب الجميل وله تاريخ كبير كلاعب أو كمدرب والأهم في شخصيته أنه يحب الانضباط داخل المجموعة”.
عموما خلت تلك الكلمات أيضا من الإشارة لأي إنجاز مع التركيز على الجوانب الشخصية التي تصلح لتدريب فريق غير طامح في ألقاب، فما بالك بمنتخب عريق له مكانته وطموحه.
في النهاية لا توقيت الزيارة مناسب ولا إمكانيات المدرب مناسبة.
أهلا به زائرا ضيفا على الجزائر.. وهذا يكفي.