“غوركوف لا يجب أن نبكى عليه ومنتخبنا يستحق مدربا أكثر رزانة”
حسين رابط… اسم من الزمن الجميل. وهو مفتاح الخير، لأن انضمامه إلى الخضر كان خلال الألعاب المتوسطية التي حقق فيها الخضر باكورة إنجازاتهم الكروية. وفي هذا الحوار، يعود بذاكرته إلى الحديث عن مشواره الحافل مع الخضر واتحاد العاصمة واتحاد عنابة:
بداية.. من يريد أن يسأل عنك أين يجدك…؟
أنا دوما في مدينتي بونة. ومن يريدني سيجدني في المديرية الجهوية التقنية لرابطة عنابة، حيث أعمل مكلفا بتكوين المدربين…
نود من خلال هذا الحوار أن تستعيد مشوارك الكروي… فكيف ولجت هذا العالم؟
ككل اللاعبين، خاصة في وقتي. فقد تعلمت أبجديات كرة القدم في الشارع قبل أن أندمج في الرياضة المدرسية وبعدها الثانوية ووقتها سمع عني “بابا علي” عطوي الذي عاينني بثانوية القديس أوغستين. وهو من أخذ بيدي وضمني إلى صفوف حمراء عنابة، نهاية الستينيات. وبعدها، انطلقت الرحلة التي أؤكد أنها كانت بفضل نجاح سياسة الرياضة المدرسية التي كانت تنجب رياضيين عمالقة وفي شتى التخصصات…
وكيف وصلت إلى المنتخب الأول…؟
قبل انضمامي إلى المنتخب الأول، كنت ضمن المنتخب المدرسي ثم الجامعي. وفي سنة 1975 تم ضمي إلى منتخب الشرطة، الذي شارك في البطولة المغاربية التي احتضنتها بلادنا بملعبي 20 أوت و5 جويلية ووقتها أدينا مشوارا مميزا جدا، حيث فزنا على تونس بثنائية نظيفة ثم على المغرب بهدف قبل أن نقصف ليبيا بنصف دزينة وأنهينا البطولة في الصدارة بعد أن اكتسحنا موريتانيا بثمانية أهداف دون أن نتلقى أي هدف بفضل قوة تشكيلتنا التي كانت تحت إشراف رشيد مخلوفي الذي أثناء حفل التتويج الذي نظم على شرفنا قال كلمة لم نفهمها وقتها…
كيف وماذا كان محتواها…؟
بعد تتويجنا في البطولة المغاربية للشرطة وعن جدارة واستحقاق تم تنظيم حفل لتكريمنا. ووقتها ألقى رشيد مخلوفي كلمة قال فيها إن أغلب عناصر تشكيلة منتخب الشرطة سيتم تحويلها إلى المنتخب الأول. وقتها اعتبرنا الأمر مجرد مزحة سببها نشوة التتويج، خاصة مع النتائج التي ذكرتها سابقا وأيضا لأن المنتخب الأول في تلك الفترة كان يعج بأسماء كبيرة كهدفي، دالي… وغيرهما ولم نفهم ما قاله إلا في المطار…
في المطار… وضح ؟
البطولة المغاربية للشرطة لعبت في شهر ماي 1975. ومباشرة بعد نهاية الموسم قررت وقتها قضاء عطلتي في مارسيليا. وكل لاعب اختار وجهته لكني وجدت كغيري من زملائي اسمي في قائمة الممنوعين من السفر وهو ما جعلني أستفسر فأعلمونا أن المنتخب الأول في انتظارنا لتحضير الألعاب المتوسطية التي كانت بلادنا ستحتضنها بعد أقل من شهرين. وفعلا ذلك ما حدث حيث تلقيت استدعائي الأول وسررت كثيرا بالدعوة…
كيف كانت تحضيراتكم وقتها…؟
المنتخب الوطني في تلك الفترة كان يتألق مغاربيا فقط والدليل أنه لم يحصل على أي تتويج قبل الألعاب المتوسطية. ولذلك فقد وفرت الدولة كل شروط النجاح بإيعاز من الرئيس الراحل هواري بومدين الذي ركز على نجاح كرة القدم لأنها تقدم صورة عن تقدم كل البلاد…
وكيف سيرتم المنافسة والنهاية الهيتشكوكية للنهائي ضد فرنسا؟
لعبنا 6 مقابلات وفزنا فيها جميعا بملعب 5 جويلية، لم نكن نعاني من أي ضغط رغم صعوبة المهمة أمام منتخبات بحجم مصر، تونس، اليونان، ليبيا. وأذكر جيدا أنه قبل الاجتماع التقني لمباراة النهائي ضد فرنسا التي كانت خاصة جدا، خاصة أنها لعبت بعد بضع سنوات من الاستقلال، زارنا بروتوكول الرئيس الراحل السيد علاهم عبد المجيد، وأكد لنا أن الرئيس هواري بومدين طالبنا بالفوز لا لشيء إلا لأنه سيحضر المباراة ولا يريد سماع “لامارسييز”. وهو ما جسده أثناء المباراة التي غادرها بعد تقدم الديكة في النتيجة لكنه عاد ليحتفل بنا ومعنا بعد تمكن منقلاتي من تسجيل الهدف الثالث…
وما هي الذكريات التي تحتفظ بها مع الزعيم الراحل بومدين…؟
بعد تتويجنا بالميدالية الذهبية أقيم لنا حفل تكريم. وأذكر جيدا أنه كان يوم الثالث من رمضان، حيث دعانا الرئيس إلى تناول وجبة الإفطار معه في قصر الحكومة رفقة الإطارات العسكرية. وكان وقتها الضجيج والأصوات تتعالى وفجأة عم الصمت إلى درجة السكون… نعم لقد جاء السيد الرئيس الذي يمتلك هيبة وكاريزما نادرة.. سلم علينا جميعا. وأذكر أنه عندما وصل عندي قال لي: الجزائر فخورة بك. وشد على يدي ونظر إلي نظرة لا تزال إلى اليوم بين عيني، فيها فقط عرفت أن زعامته لم تأت من فراغ لأنه فعلا شخصية غير عادية…
قلت سابقا إن الدولة وفرت كل إمكانات النجاح، ما يعنى أنه بعد حفل التكريم نلتم تحفيزات خاصة؟
(يضحك مطولا..) كرة القدم في وقتنا لا مجال فيها للتحفيزات. فبعد نهاية الألعاب المتوسطية كان الحديث كبيرا عن منح كل لاعب سيارة من نوع “فيات 128”. وفي نهاية الحفل كان الجميع ينتظر ونادوا على عمر بطروني بصفته قائدا للفريق ومنحوه ظرفا وكان “عومار” من صغره لئيما- إن صح التعبير- ظل يتحسس الظرف لكنه لم يفهم ما به لأنه كان صلبا وعندما عاد إلينا التففنا حوله وفتح الظرف فوجدنا به دفترا للصندوق الوطني للتوفير والاحتياط به مبلغ 2000 دج. والأغرب من كل هذا أننا لم نتمكن من صرف تلك المنحة إلا بعد 6 أشهر…
يعنى أن الميدالية الذهبية علاوتها كانت 2000 دج فقط…؟
كما قلت سابقا كرة القدم كانت للألوان وليست للأموال ولكن الفائدة الأكبر كانت إخراج الكرة الجزائرة من قوقعتها. فنحن وبكل فخر من فتح الأبواب نحو الانفتاح والعالمية ونحن من أرغمنا المسؤولين على إعداد الإصلاح الرياضي. والدليل أن مولودية الجزائر بعد عام واحد نالت كأس إفريقيا للأندية البطلة ثم توجنا بالميدالية الذهبية للألعاب الافريقية وتأهلنا للأولمبياد وعدنا إلى الكان ثم وصلنا إلى كأس العالم… كل هذا بفضل جيلنا الذي قدم الكثير ولم يجن إلا القليل…
تبدو ساخطا على الوضع…!
أكيد.. فأنا ساخط وناقم على ما حدث لبعض أترابي فتصوروا أننا ضحينا وغامرنا بأنفسنا لأجل المنتخب الوطني وكنا نسافر دون أدنى تأمينات واليوم لا نجد أي اعتراف بالجميل أو حتى مساعدة من هزمتهم الأيام…
هل من توضيح…؟
أنا لا أتحدث عن نفسي، فأنا والحمد لله أعيش حياة هادئة ومستقرة لكن هناك بعض زملائي من كافحوا وضحوا بالنفس والنفيس وتدهورت بهم الأمور ولم يجدوا حتى ما يأكلونه دون أن يتذكرهم أحد. وصراحة لقد تألمت كثيرا لما حدث للاعب عبد القادر إيغيلي، الذي أفنى زهرة شبابه في خدمة شباب بلكور والمنتخب الوطني لكنه بعد تدهور حالته الصحية منذ 4 سنوات لم يساعده أي أحد. ووجد نفسه يصارع الموت. وبعد جهد جهيد، اقتربت منه جمعية قدماء اللاعبين وقدمت له إعانة بـ5 ملايين، لم تمكنه حتى من تسديد ثمن التحاليل والكشوفات التي أجراها… وقتها تعذبت كثيرا واعتبرت ما منح له إهانة وليس إعانة. ولذلك لدي رسالة إلى لاعبي الجيل الحالي…
ماهي…؟
أطالب الأصوات التي تتعالى وتتشدق بالحديث عن تخفيض أجور اللاعبين أن تصمت، دعوهم ينالوا الأموال الآن لأنهم بعد اعتزالهم لا أحد سيمنحهم سنتيما واحدا، لأننا نعاني من مشكلة اسمها النكران، لكن مقابل الأموال يجب أن يقدموا لنا كرة قدم نظيفة وراقية…
لكن للأسف الأموال موجودة والأقدام مفقودة…؟
الأندية مطالبة بتغيير سياساتها، فقد وصلنا لمرحلة الاهتمام فيها بالقاعدة منعدم لدى أغلب الأندية، حتى لا نقول كلها، وصراحة نحن في مرحلة يجب استغلال امتلاكنا لمنتخب شاب قادرين على العمل به لمدة 5 سنوات على الأقل، للتركيز على التكوين والعمل على المدى المتوسط، وأعتقد أننا قد انطلقنا في هذه الخطة، بدليل عودة الروح للمنتخب الأولمبي.
نعود للحدث عن مشوارك… من الحمراء إلى سوسطارة كيف كانت هذه النقلة؟
أمضيت في اتحاد العاصمة شهر نوفمبر من عام 1975 لأن أغلب لاعبيها كانوا لعبت معهم في المنتخب الجامعي، والحمد لله كان خيارا موفقا، لأنني قضيت فيه 10 سنوات كاملة، ولم أتركه سوى بعد إعادة بعث اتحاد عنابة موسم 1983/1984…
اتحاد العاصمة في وقتك كان متخصصا في خسارة نهائيات الكأس…فماذا تقول عن تلك الفترة ؟
فعلا خسرنا 7 نهائيات وهو أمر محير لأن فريقي وقتها كان يضم لاعبين رائعين، وقد عايشت نهائيين: ضد السياربي حين خسرنا بركلات الترجيح، ثم ضد سطيف بهدف عربات، وما أشهد عليه ويمكن لأي كان أن يعاود مشاهدة المبارتين أننا سيطرنا بالطول والعرض لكن الحظ عاندنا… ومن حسن الحظ أننا توجنا أمام جمعية وهران عام 1981 ووقتها حدث ما حدث…
وماذا حدث…؟
التتويج كان بعد حرقة كبيرة، وإذا كان هارون الرشيد قد أقام عرسه لمدة 7 أيام و7ليال، فنحن قد احتفلنا وقتها لمدة 8 أيام و8 ليال، بحضرة كبار الشيوخ كالزاهي وقروابي… وأذكر أننا عندما عدنا من بلعباس بالطائرة وكان معنا بعض الأنصار، فالكأس “تهرست” أي تم كسرها من كثرة الاقبال عليها…
من كان أقرب زميل لك في العاصمة…؟
علاقتي مع الجميع كانت علاقة احترام، لكن الأقرب لي كان المرحوم جمال كدو الذي كان دوما يسأل عني، وكان أيضا يبكى بحرقة بعد خسارة أي نهائي، لأنه كان يحب فريقه بجنون وكان يضحى من أجله حتى بما يملك وظل طول حياته كريما معي، وحتى بعد وفاته ما تزال علاقتي متينة مع أشقائه فأخوه يوسف إلى اليوم عندما التقى به يرتمى في أحضاني ويقول لي دعني أشم فيك رائحة المرحوم… جمال كان نعم الأخ وهو رمز سوسطارة الأول بدون منازع.
كيف استقبلت خبر وفاته…؟
تلقيت مكالمات من بعض اللاعبين السابقين كذياب ابراهيم، قانا… وشقيقه يوسف ومباشرة مع سماعي للخبر تنقلت رفقة علي مسعود عبد المالك إلى العاصمة وحضرنا جنازته التي كانت مهيبة والتي تؤكد أنه كان إنسانا رائعا ومحبوبا رحمه الله…
هل من ذكرى خاصة معه…؟
جمال كان زميلي المقرب سواء في اتحاد العاصمة أو مع المنتخب الوطني، وظللنا منسجمين لمدة طويلة جدا، لكن أذكر أنه ذات مرة كنا بفندق مازافران ليلة مواجهتنا لنصر حسين داي، الذي كان رهيبا بتشكيلته الثرية على غرار قنون، مرزقان، ماجر… وشان، وكان جمال معي في الغرفة وأذكر أنه قال لي حسين أنت تسهر كثيرا وتنتظرنا مباراة صعبة تتوجب منا التركيز فنم باكرا لتكون جاهزا غدا، لكني رفضت وأصررت على قراءة مجلة رياضية كانت بحوزتي، ولأنه لم يقو على النوم النور لم ينطفئ، فقد تخاصمنا ليلتها لأول وآخر مرة، وبعد فوزنا بالمباراة حملني على كتفيه، وظل يصرخ لو تلعب كل يوم هكذا اسهر وزيد اسهر يا خو… رحمه الله كان صاحب روح خفيفة وسيظل “حيا” في القلوب…
نطوي صفحة سوسطارة ونفتح صفحة عنابة التي ضيعت الصعود.. ما رأيك؟
أتمنى من صميم قلبي أن يعود يوما اتحاد عنابة إلى المحترف الأول، لأن الرابطة المحترفة هي المكان الطبيعي لفريق بحجم اتحاد عنابة، الذي يجب أن تلتف حوله كل عنابة من مسؤولين وسلطات وأنصار لإرجاعه إلى مكانه.
وما قصتك مع هذا الفريق؟
عندما أعيد بعث اتحاد عنابة موسم 1983/1984 اتصلوا بي للالتحاق بالفريق، لكن إجابتي كانت أني قد بلغت وقتها سن الثلاثين، فقلت لهم إني قد كبرت وليس بوسعي ما أقدمه، فألحوا علي وأصروا على استقدامي لتوظيف خبرتي، وقتها كنت أنوي اللعب لعام أو عامين وأعتزل، لكن بقيت حتى عام 1989 حيث كانت مواجهة اتحاد عنابة ضد شبيبة القبائل هي الأخيرة لي…
تلك المباراة كان الحديث عنها كبيرا، حيث وجهت لكم اتهامات بالتنازل عن نقاطها لتسهيل مهمة القبائل في التتويج…؟
كل هذا مجرد كلام… وصراحة مصدره كان من مولودية الجزائر الذين أقاموا الدنيا ولم يقعدوها على عنابة لأن الجياسكا فازت أمامنا وخارج قواعدها، وتناسوا أنهم هم أيضا فازوا في ذات الجولة ببلعباس… واليوم وبعد مرور سنوات وسنوات أقسم بالله العظيم أنهم فازوا علينا “بالون” ولم نتفق معهم على النتيجة.
هل من كلمة عما فعله غوركوف…؟
غوركوف حر في تصرفاته، ونحن كبلد كبير لكرة القدم، لن نترجى أيا كان للعمل معنا، ولهذا لا يجب أن نبكى عليه، بل علينا طي صفحته والتطلع للمستقبل مع مدرب يكون أكثر رزانة وله استراتيجية واضحة المعالم ويمتلك شخصة قوية، لأن منتخبنا وصل لمرحلة أقل ما يجب فعله الوصول للمربع الذهبي للكان، والدور الثاني للمونديال لأن كل معطيات النجاح متوفرة.
وماذا عن المنتخب الأولمبي ومغامرته الأولمبية مع منتخبات بحجم الأرجنتين والبرتغال والهندوراس؟
أعتقد أن منتخبنا الأولمبي في الطريق الصحيح، ويجب عدم تغليب العاطفة وتضخيم نتائج المواجهات الودية ضد فلسطين وكوريا الجنوبية، ومن رأيي فهو قادر على التألق، لأن منتخبنا يكون قويا ضد الأقوياء، والدليل أنه لعب في ظروف أصعب بالكان، ورغم ذلك حقق ما لم تتمكن منتخبات عتيدة كغانا والكاميرون من فعله، وآخر كلمة سنتألق في ريو.

