رياضة
"الشروق" تغوص في أعماق شخصية المدرب الجديد لـ"الخضر" وتكشف جانبا من أسراره

غوركوف يعشق الفن، قليل الكلام ومواظب على التردد على الكنيسة

الشروق أونلاين
  • 5963
  • 28
ح.م

استغرب كثيرون خيار الاتحادية الجزائرية لكرة القدم تعيين المدرب الفرنسي كريستيان غوركوف خليفة للمدرب السابق للمنتخب الوطني الأول وحيد خاليلوزيتش، فبينما كان الجميع ينتظر تنصيب مدرب عالمي كبير من طينة فابيو كابيلو أو جيوفاني تراباتوني وأسماء أخرى رشحت للإشراف على العارضة الفنية للخضر للمرحلة القادمة، تفاجأوا في الاجتماع الأخير للمكتب الفيدرالي يوم 19 جويلية الماضي بتعيين التقني الفرنسي مدرب نادي لوريون الفرنسي السابق، والذي يعد مجهولا لدى قطاع واسع من الجزائريين، كون نجاحاته اقتصرت على نادي مدينة لوريون الصغيرة والتي يسير فريقها بميزانية بسيطة، وبالرغم من امكانياته المتواضعة، إلا أنه استطاع مقارعة كبار البطولة الفرنسية ولعب الأدوار الأولى خلال المواسم العشرة الأخيرة وكل ذلك بفضل مدربه كريستيان غوركوف، الرجل الذي يلم بعدة معارف فهو أستاذ في مادة الرياضيات ويتمتع بثقافة عامة عالية بالإضافة إلى ولعه بالفن على وجه الخصوص، وستقوم “الشروق” خلال هذه السطور بالغوص في أعماق شخصية المدرب الفرنسي قصد الكشف عن بعض أسراره وخصوصياته ومنهجية عمله واهتماماته الفكرية ومعتقداته الدينية بالإضافة إلى أهم انجازاته.

لم يكن طريق غوركوف معبدا بالورود خلال مشواره الكروي أو التدريبي، بل عانى كثيرا حتى وصل إلى ما هو عليه الآن، فمن خلال مطالعة بعض المراجع على غرار الحوار الذي أجراه لصحيفة “ليكيب” الفرنسية، كشف المدرب الكثير عن حياته، على غرار بدايته الصعبة والعراقيل التي صادفته إلى حد التفكير في الاستسلام، كما يعترف بفضل الساحرة المستديرة في تغيير مسار حياته من الأسوأ إلى الأحسن، وقال عن هذا الأمر “لقد عملت كثيرا ولفترة طويلة دون أن أجني شيئا من كرة القدم، كنت أستاذا لمادة الرياضيات وفي نفس الوقت مدربا في كرة القدم وأتقاضى أجرا متواضعا وفي محيط أجحف كثيرا في حقي، حيث لم أنل اعترافه  بالمجهودات الجبارة التي كنت أقدمها”، مضيفا “كاد الأمر أن ينتهي بي للاستسلام ورمي المنشفة نظرا لتلك الظروف الصعبة التي وقفت في وجهي، ولولا تغير المعطيات لما وصلت إلى هذه الدرجة من النجاحات التي جاءت بعد صبر طويل، حيث في الأخير كافأتني كرة القدم على كل ما بذلته  ونلت كل التقدير”، مؤكدا “كرة القدم لم تسرق مني حياتي، بل هي كل حياتي”.

لوريون وابنه يوهان ثمرة نجاح خلال 27 عاما من العطاء

يعتبر كريستيان غوركوف من المدربين القلائل الذين مكثوا طويلا مع فريق معين، لقد بدأ مسيرته مع نادي لوريون الفرنسي منذ 27 عاما، حيث درب الفريق بين سنوات 82 و86، ثم عاد إليه مرة ثانية ومكث فيه 10 أعوم بين 91 و2001 قبل أن يغادره لخوض تجربة صعبة على رأس العارضة الفنية لنادي “رين” الفرنسي، تلك التجربة التي وصفت بالفاشلة للاختلافات الكبيرة التي حدثت مع إدارة الفريق، الذي أجبر على مغادرته نحو البطولة القطرية التي درب فيها الغرافة قبل أن يعود مجددا إلى نادي لوريون الذي استقر به من 2003 إلى غاية الموسم المنصرم. وكان غوركوف قد حقق الصعود إلى الدرجة الأولى لفريق لوريون في موسم 1998، كما تم اختياره ثلاث مرات كأحسن مدرب في البطولة الفرنسية في سنوات 1985 و1997 و2005.

إلى ذلك، يعتبر يوهان نجل كريستيان من ثمرات نجاح المدرب الذي استطاع أن يقدم لكرة القدم الفرنسية ولمنتخبها لاعبا متميزا شرف بلده سواء مع منتخب بلاده أو تقمصه ألوان أقوى الأندية الأوروبية على غرار ميلان الإيطالي وليون الفرنسي وهو يلعب حاليا في بوردو، وبشهادة من “بيير مينيز” أحد أهم وأشرس النقاد في مجال كرة القدم بفرنسا، فإن كريستيان مدرب عصري بمعنى الكلمة “والد زيدان الغرب الفرنسي ومدرب النتائج الجيدة، انه نموذج عن المدرب العصري” قال مينيز.

قليل التواصل ويملك أعصابا باردة ويعتنق المسيحية

شخصية هادئة ومنطوية على نفسها، قليل الكلام مع الأخرين وكثير الانزواء والتفكير في المستقبل، هي المواصفات التي لاحظها على غوركوف كل الأشخاص الذين عايشوه في لوريون على غرار الرئيس الجديد للفريق لوييك فيري الذي تبوأ هذا المنصب في شهر ماي المنصرم وكان وراء مغادرته لوريون بسبب بعض الاختلافات، رغم ذلك فهو معجب بالشخصية الهادئة التي يتميز بها كريستيان: “في أول لقاء معه في شهر ماي كان متحفظا جدا من ناحيتي ولم نتكلم كثيرا، ومع مرور الوقت اكتشفت أنه بإمكاننا التعامل معا، وبصراحة أحبذ كثيرا شخصية المدرب غوركوف المنزوي عن المدربين الذين يتكلمون كثيرا معك، ثم يطعنونك في الظهر”. كما يتفق كريستيان غوركوف شخصيا مع رئيس فريقه ومع الجميع حول كل ما يقال عن شخصيته وقال “كل ما يقال عن تحفظي في بداية العلاقات الاجتماعية أو العمل مع الآخرين صحيح، وهي الطباع التي ورثتها عن المنطقة التي ترعرعت بها “لا بروتون” بفرنسا، هناك الأشخاص هادئون ولا يتسرعون في إنشاء العلاقات، لكن ولسبب واحد هو بناء علاقات عميقة مع الآخرين تدوم لفترة أطول”.

ويعتبر غوركوف أن قلة كلامه لا تعكس أبدا انطواءه على نفسه، معتبرا أن التواصل مع الآخرين لا يتم فقط بالكلمات، بل في بعض الأحيان بواسطة المصافحة باليد أو عن طريق نظرة، فهذه الوسائل تكفي لتمرير الرسالة لأي كان وقد تكون أكثر تأثيرا، على حد قوله لصحيفة “ليبيراسيون” الفرنسية.

ولعل من بين العوامل التي ساهمت في تكوين شخصية كريستيان غوركوف تمسكه بالدين، فهو مسيحي كاثوليكي، والمعروف عن هذا المذهب من المسيحية التمسك بالحياة  العائلية، فهو يتردد على الكنيسة كل يوم أحد حينما تتاح له الفرصة لأداء الصلاة، كما يطبق تعاليم ديانته بحذافيرها.

غوركوف المدرب الفنان

يطلق عليه تسمية الفنان في المحيط الكروي بفرنسا لجمعه بين الأداء فوق أرضية الميدان والنتائج فهو صاحب فلسلفة “لا يمكن حصد النتائج بدون أداء جماعي مميز ممتع للأنصار”، الذين يعتبرهم من بين الحلقات المهمة في كرة القدم، والهدف هو إمتاعهم قبل أي شيء آخر، وهو ما أكده كريستيان غوركوف بنفسه في الصحف الفرنسية قبل بضعة أشهر: “حافزي هو البحث على نوعية عالية لأداء الفريق، والفوز بالمباريات هو أيضا هدفي، لكنه مجرد نتيجة، على العكس عندما ينتج الفريق نوعية جميلة من الأداء فهذا رائع”، مستدلا بالإنجاز التاريخي الذي حققه للوريون في موسم 1998 في أول صعود للفريق إلى الدرجة الأولى “عندما حققنا أول صعود لفريق لوريون في 98 كان هناك نوعية العمل وانضباط طيلة الأسبوع والذي كان يكلل في نهاية الأسبوع فوق أرضية الميدان، حينما نحس أن هناك ارتباطا بين ما كنا نشتغل عليه في التدريبات مع النسوج الكروية التي كان اللاعبون يقدمونها في المباريات الرسمية… حقيقة إنها متعة كرة القدم”.

مقالات ذات صلة