الرأي

فاجعة الحرائق.. من يتحمل مسؤوليتها؟!

سلطان بركاني
  • 1004
  • 0

مأساةٌ حقيقية عاشها الجزائريون بحر الأسبوع الماضي، في إثر الحرائق التي نشبت في مناطق عدّة من الوطن، وأودت بحياة العشرات -نحتسبهم شهداء عند الله- بين رجال وأطفال ونساء؛ فرّوا من حرّ المدن والمساكن والعمارات، يطلبون نسمات الحدائق والغابات، ولكنّ ما لم يكن في الحسبان قد حصل، وأحاطت بالعائلات ألسنةُ النيران من كلّ جانب، فنجا من نجا بفضل الله، ومات من مات بقدر الله.. والموت حقٌّ مهما اختلفت أسبابُه، لكنّ وازع الدّين -أو على الأقلّ وازع الضّمير- يُفترض أن يحملنا على معرفة الأسباب التي أدّت إلى مثل هذه الوفيات المروِّعة التي حملتها الصّورُ والمقاطع، وبكت لها القلوب قبل العيون.

 الحرائق التي ابتلي بها أهلنا وإخواننا هي من قدر الله، لكنّ مسبّباتها لا شكّ في أنّها شيء ممّا كسبته واجترحته أيدي بعض النّاس، ومهما لم يُعلمِ الفاعل الذي باشر الجريمة، ولم يُعرف مقصده، بل حتّى لو كانت الحرائق اندلعت بسبب شدّة الحرّ (!) فإنّ المسؤولية ابتداءً وانتهاء هي مسؤولية الجميع عامّة ومسؤولين.

شعب طيّب.. لكن!

لقد أبان الجزائريون -كعادتهم- في هذه المحنة عن معدنهم النّفيس في التضامن مع إخوانهم المنكوبين، والجزائريُّ معروفٌ عنه أنّه قد يغامر بحياته لينقذ حياة أخيه، وقد رأينا في خضمّ هذه الفاجعة مقاطع وصورا في المواساة والتكاتف تدمع لها العين، وتدلّ على أنّ هذا الشّعب المسلم يستحقّ كلّ خير.. لكنّ هذا الجانب المشرق ينبغي ألا يجعلنا نغفل وننسى الجانب المظلم من واقعنا نحن الجزائريين، والذي طالما أوصلنا إلى مآس ونكبات ندفع فاتورتها باهظة.

نحن الجزائريين، في الأحوال العادية، تطغى علينا العجلة والهلع والأنانية.. تجد الواحد منّا يخرج إلى الغابة متنزّها، فيشعل النّار ويترك جمرها حين يغادر متّقدا، ويترك خلفه الأوساخ والقمامة وكلّ ما يمكن أن يساهم في انتقال ألسنة اللهب في حال اشتعال النيران، وإذا سار بسيارته ربّما رمى بأعقاب السّجائر غير مبال بأنّ المكان الذي تقع فيه ربّما يكون هشيما تشتعل فيه النّار بقبس صغير.. ولا يختلف الأمر في الحدائق العامّة والخاصّة، أمّا في الشّوارع والطّرق العامّة فحدّث ولا حرج، تجد صاحب السيارة وحتى الشاحنة يركن مرْكبته في مكان يمكن أن يتسبّب التوقّف فيه إلى تأخّر وصول النّجدة وتعطيل سيارة الإسعاف وشاحنة إطفاء الحرائق، وربّما يركن مركبته بجانب المكان المخصّص لتزويد شاحنات الإطفاء بالماء.. أمّا رميُ المخلّفات على جانبي الطّريق مما يؤدّي إلى انسداد البالوعات وحصول الفيضانات، فحدّث ولا حرج!

في الطّرق، نرى كلّ يوم من أنانية كثير من السّائقين وتهوّرهم ما يجعل الحليم حيرانا، ما أن تبدأ بوادر الزّحام في الطّريق، حتّى ترى من السائقين من يتجاوز من جهة اليمين، ويسلك المسالك الترابية ويؤذي إخوانه بالغبار ويغامر بنفسه وبمن معه، لأجل أن يكسب بضع دقائق لا ينتفع بشيء منها في دينه ولا دنياه. المهمّ بالنّسبة إليه ألا تتوقّف عجلات سيارته عن الدّوران، وألا ينتظر مع المنتظرين! ومثل هذا السّلوك المشين، قد يؤدّي إلى حدوث كوارث في بعض الأحوال، فلو حصل ما يستدعي الاستنجاد بسيارة الإسعاف مثلا، فلن تجد لها طريقا إلى المكان المقصود حتى يفوت الأوان، وقد حصل أن فاضت أرواحٌ بسبب هذه الأنانية الطّاغية.. والمأساة التي حصلت لإخواننا في الطّارف وسوق أهراس وما حواليهما، كان من أسبابها هذه الأنانية المقيتة وهذه العجلة غير المبرّرة التي جعلت بعض السائقين يتزاحمون بسياراتهم من دون نظام، وبعضهم يسلكون الطّرق الترابية الغابية، بعد إغلاق الطّرق الكبيرة حرصا على السّلامة، هذا السّلوك الذي زاد حدّة البلاء وضاعف حجم المأساة.. ولولاه لأمكن إنقاذُ كثير من الأرواح.. ونحن هنا نفتح باب “لو” لأجل أن نستفيد من أخطائنا، ونتخلّى عن هذه الأخلاق التي نجني ثمارها المرّة.

ولأصحاب المناصب النّصيبُ الأوفر من المسؤولية

الشّعب الجزائريّ شعبٌ طيّب ومتضامن، لكنّ كثيرا من أفراده يتحلّون بالأنانية والعجلة في الأحوال العادية، وبالهلع والجزع في الأزمات، ومع ذلك فليس وحده من يتحمّل المسؤولية عن تفاقم بعض الأزمات والنّكبات وتوسّعها، بل إنّ المسؤولية الأكبر يتحمّلها المسؤولون على اختلاف درجات مسؤولياتهم.. وكثيرٌ من الأخطاء التي يقع فيها عامّة النّاس مردّها إلى التسيّب الذي يجدونه من المسؤولين، على قاعدة المثل العربيّ: “إذا كان ربّ البيت بالدفّ ضاربا، فشيمة أهل البيت التّصفيق والرّقص”! ومردّها كذلك إلى انقطاع خيط الثقة بين العامّة والمسؤولين الذين يكذب بعضُهم ويتحرّى الكذب ولا يبدي أيّ اكتراث بمصالح النّاس وأمنهم ورغيف عيشهم، حتى أضحى النّاس من قلّة ثقتهم بهذا الصّنف من المسؤولين، يتعمّدون مخالفة تعليماتهم.

الكثيرُ من المسؤولين في حاجةٍ لاستعادة ثقة الأمّة بهم، وقبل ذلك للتوبة إلى الله من إضاعة حقوق النّاس وإنفاق الوعود الكاذبة.. هذه الطّرق والمسالك التي يحصل الغشّ في طولها وعرضها وسُمكها ونوعية المواد المستعملة في إنجازها ويعلم القاصي والدّاني أنّها طرقٌ غير مؤهّلة للحالات العادية فضلا عن الحالات الاضطرارية كالفيضانات والزّحام الشّديد والحرائق وغيرها، أمّا ثقافة الطّرق والمسالك الاستعجالية، فهي لا تزال غائبة عن تفكير المسؤولين الذين يرى كثيرٌ منهم الاستعداد لمواجهة الأزمات والتخطيط لها قبل حصولها وإنفاق الأموال لتحضير البنية التحتية للتأقلم معها، يرون مثل هذا التفكير مضيعة للوقت والأموال، لأنّ الكوارث والنّكبات حسب تفكيرهم لا تقع دائما!

في ثقافة الدّول المتقدّمة: المسؤول الجيّد ليس هو من يحسن التّدبير في الأحوال العادية حيث “السّماء صافية والجوّ معتدل والبحر هادئ والطّيور تزقزق والموارد كافية”، لكنّ المسؤول الجيّد هو من يحسن التّدبير في الأحوال الصّعبة والأزمات الخانقة.. ونحن -المسلمين- يُفترض أن نكون أولى النّاس بهذه الثّقافة، لأنّ كتابنا الخالد اهتمّ بها في سورة يوسف؛ فالحديث عن الخطّة التي رسمها نبيّ الله يوسف -عليه السّلام- وتولّى تنفيذها تحسّبا لسنوات المجاعة، لم يكن إشارة تسجِّل حادثا وقع ومضى، وإنّما كان لبيان أهمية التدبير والتخطيط والإعداد، والأخذ من زمن السّعة لزمن الضّيق.

المسؤول الجيّد هو من يحسن التّدبير في الأحوال الصّعبة والأزمات الخانقة.. ونحن -المسلمين- يُفترض أن نكون أولى النّاس بهذه الثّقافة، لأنّ كتابنا الخالد اهتمّ بها في سورة يوسف؛ فالحديث عن الخطّة التي رسمها نبيّ الله يوسف -عليه السّلام- وتولّى تنفيذها تحسّبا لسنوات المجاعة، لم يكن إشارة تسجِّل حادثا وقع ومضى، وإنّما كان لبيان أهمية التدبير والتخطيط والإعداد، والأخذ من زمن السّعة لزمن الضّيق.

نحن في كثير من بلداننا الإسلامية والعربية منها خاصّة، تمرّ بنا سنوات بحبوحة طويلة، لكنّنا مع كلّ أسف لا نترك حبّة في سنبلة، بل نسرف في الإنفاق على المترفين وفي الترف وما لا طائل منه.. يكون في وسعنا أن نُوجِد بُنى تحتية تجعلنا نعيش في رخاء وسعة نُغبَط عليها ونتعايش مع الأزمات بهامش مريح، ونوفّر من الإمكانات ما يجعلنا نحاصر كلّ أزمة وكلّ نكبة في بدايتها، لتمرّ علينا بأقلّ الخسائر، لكنّنا لا نفعل! كلّ بلاد العالم تحلّ بها الأزمات، وتشهد الحرائق والفيضانات، لكنّها تتخطّاها بأقلّ الخسائر الممكنة، وهناك دولٌ لا تملك من الموارد ما نملك لكنّها في تعاملها مع الأزمات تعطي أروع الأمثلة في حسن التدبير والاهتمام بأرواح النّاس وممتلكاتهم.

بإمكاننا أن نتحدّث عن التعويضات التي تُبذل للمتضرّرين من الحرائق والفيضانات هنا وهناك، لكن من يعوِّض المفجوعين في أهليهم، وقد كان ممكنا تلافي كثير من تلك المواجع والفواجع لو تحلينا بقدر أكبر من الاهتمام بثقافة “ليس في كلّ مرّة تسلم الجرّة”.

في كتاب ربّنا وسنّة نبيّنا نصوصٌ كثيرة، تزرع الخوف في قلب كلّ مسؤول من ثقل المسؤولية التي يتحمّلها، ولو كانت قلوبُنا حيّة ما تقدّم للمسؤولية إلا من وجد من نفسه الأهلية والقدرة والاستعداد الكامل للتضحية بالوقت والجهد وشيء من المال لإراحة الآخرين.. عندما كان الولاةُ يتّقون الله -تعالى- في رعيّـتهم، كان الواحد منهم يقضي بياض نهاره ينظر في مصالح النّاس ويسمع همومهم ويَحذر عنهم ما يؤذيهم، حتّى يخشى الله أن يحاسبه في شاةٍ تهلك لأنّه لم يوفّر لها العلف أو حمار يعثر لأنّه لم يمهّد له الطّريق! ويقضي ساعاتٍ من ليله يعمل لقبره وآخرته، وإذا سُئل عن ذلك قال: “إن أنا نمتُ بالنّهار ضيّعت رعيتي، وإن نمت باللّيل ضيّعتُ نفسي”…

أمّا في زماننا هذا فأصبح الولاة والمسؤولون ينامون نومة أهل الكهف ليلا ونهارا عن مصالح النّاس وحاجاتهم ومظالمهم، ولا تشغلهم إلا حاجات ومصالح المترفين والمقرَّبين وأصحاب الحظوة والصّوت المرتفع.. وفي كثير من هؤلاء يحيق ما أخبر عنه النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم-: “ما من أمير يلي أمر المسلمين، ثمّ لا يجهد لهم وينصح، إلا لم يدخل معهم الجنّة” (رواه مسلم).

إذا لم تكن لدى المسؤولين في هذه الأمّة همّة في الاتعاظ بنصوص الشّرع، أو التأسّي بسير الأوّلين، فهلا كانت لهم همّة في الاقتداء بالمسؤولين في الغرب، حيث التنافس قائم على أشدّه في خدمة الشّعوب والبلوغ بها إلى الرفاهية وحمايتها والحرص على مصالحها، وحيث المسؤول لا همّ له إلا أن يترك المنصب وقد كتب اسمه في سجلّ الشّرفاء وتحدّث عنه النّاس بأنّه خدم بلده وشعبه!

مقالات ذات صلة