الرأي
سوسيولوجيا الجرح الاستعماري:

فانون ومأساة الوعي المقهور

في السادس من ديسمبر من كل عام تعود ذكرى الرحيل الموجع لفرانتز فانون، ذلك الطبيب الثائر الذي غادر العالم قبل أربع وستين سنة تاركا وراءه إرثا فكريا لا يشيخ، إرثا ظلّ ممتدا كخط نار يضيء مناطق الوعي التي حاول الاستعمار طمسها، ويكشف أنّ جراح الاحتلال لا تنتهي بخروج الجيوش من الأرض، وإنما تمتد لتستقر في عمق الروح حيث تُعاد كتابة الإنسان على مقاس الآخر وتحت ظلاله الكثيفة.
ومن يقرأ فانون اليوم يدرك أنّ الرجل لم يكن معنيا بتوثيق وقائع سياسية جديدة فقط، لأنّه كان يعرف أنّ تاريخ الشعوب قد يُعاد صياغته من طرف الأقوياء، بينما الجراح التي تركها الاستعمار في الوعي تبقى مثل ندبات سرية لا تُرى بسهولة، لأنّها محفورة في طبقات الإدراك العميق، ولأنّها تشكل طريقة نظر الإنسان إلى ذاته، وإلى العالم، وإلى موقعه داخل شبكة العلاقات الاجتماعية التي تتحكم في مصيره. وهكذا يتحول كتاب «بشرة سوداء، أقنعة بيضاء» إلى عمل سوسيولوجي وروحي في آن، إلى محاولة لفهم كيف تشتغل الهيمنة حين تنتقل من ساحة السياسة إلى ساحة الوعي، ومن الجغرافيا إلى النفس، ومن السلطة المادية إلى السلطة الرمزية.
ولعلّ من أكثر ما يلفت النظر في تحليل فانون هو تلك اللحظة الشهيرة التي يقف فيها الطفل الأبيض مشيرا إلى الرجل الأسود صارخا «انظر، زنجي!»، وهي لحظة لا تبدو في الظاهر أكثر من انفعال عابر، غير أنّها في عمقها مثال صارخ على كيفية انتقال التصنيف الاجتماعي إلى الوعي المبكر، حيث يتحول اللون إلى علامة، والعلامة إلى حكم، والحكم إلى مخطط ذهني يرسخ في الذاكرة الجماعية. إنّها اللحظة التي يدرك فيها الرجل الأسود أنّ هويته لم تعد ملكا له وحده، بل صارت تُقرأ عبر نظرة الآخر، وأنّ ذاته لم تعد كتلة واحدة، وإنما أصبحت موزعة بين صورتين، صورة يعرفها من الداخل وصورة تُفرض عليه من الخارج.
ولكي نفهم البعد السوسيولوجي لهذا المشهد يمكن أن نتخيل طفلا يتعلم من محيطه أن ينسب الشجاعة إلى لون معين والجبن إلى لون آخر، أو أن يربط الذكاء بلسان معين والغباء بلسان آخر، ثم ينمو هذا الطفل ليصبح راشدا يحمل تلك التصنيفات في ذهنه كأنها حقائق طبيعية، فيتعامل مع الناس وفقها دون وعي. هذا المثال المبسط يقرّب كثيرا ما أراد فانون قوله: إنّ الهوية ليست اختيارا فرديا فقط، وإنما هي محصلة شبكة كاملة من المعاني التي تُخلق حول الجسد وتُفرض عليه.
ومن بين المفاهيم التي ناقشها فانون وشرحها المقال الأصلي مفهوم «التبييض الاجتماعي»، حيث يقدّم علاقة المرأة السوداء بالرجل الأبيض مثالا فاضحا على كيفية تشكّل الرغبات تحت تأثير البنية الاجتماعية، فالمرأة هنا لا تحب الرجل الأبيض لصفة فردية فيه، وإنما لأنها ترى فيه «جسرًا» نحو عالم لا يسمح لها بالدخول إلا إذا عبرت من خلال رموزه، وهذا مثال حيّ على كيف يمكن للهيمنة أن تتحول إلى رغبة، وكيف يمكن للرغبة أن تتحول إلى استراتيجية اجتماعية.
والمثال المقابل هو الرجل الأسود الذي يقف أمام امرأة بيضاء باحثا عن اعتراف، كأنّ قيمته لن تُكتمل إلا إذا اعترف به المجتمع الذي طالما وضعه في خانة أدنى، وكأنّ الرجل يقول في داخله: «إذا قبلتني هذه المرأة فقد قبلني مجتمعها»، وهذا نموذج بسيط لما سماه فانون «عقدة سندريلا» أو البحث عن الخلاص عبر الآخر، لا عبر الذات.
أما حين يتناول فانون أثر اللغة، فهو لا يتحدث عن الكلمات بوصفها أصواتا تصدر من الفم، وإنما بوصفها رموزا ثقافية تصوغ علاقة الإنسان بذاته وبمجتمعه. ويمكن أن نضرب مثالا قريبا من واقعنا: شخص يتحدث لغته الأم داخل بيته، ويتحول خارج البيت إلى لغة أخرى لأنها تمنحه «هيبة اجتماعية» أو تُشعره بأنّه أقرب إلى «المتحضرين»، وهنا لا يكون تغيير اللغة مجرد اختيار لغوي، وإنما يكون تبنيا لبنية رمزية جديدة تعيد ترتيب الانتماءات داخل الوعي، وهذا هو بالضبط ما قصده فانون حين أشار إلى أن «من يتبنى لغة الآخر يتبنى قيمته».
وفي خلفية هذه الأمثلة كلها يظهر «الوعي المزدوج» الذي تحدث عنه دي بويس ثم فانون، ونعني به تلك اللحظة التي يرى فيها الإنسان نفسه من خلال عينين: عينه الخاصة وعين المجتمع. وقد نرى النسخة المبسطة لهذا الصراع في شخص ينتمي إلى ثقافة معينة ولكنه يشعر بأنّ قيمته تُقاس وفق ثقافة أخرى، فيقف دائما بين صورتين من ذاته، صورة يريدها وصورة يُجبر على تبنيها، فيتولد عنه ذلك التوتّر الداخلي الذي يشبه السير على حبل مشدود بين عالمين.
ومع ذلك، فإنّ فانون لم يقف عند تشخيص العطب، بل فتح بابا للمقاومة عبر التأكيد على أنّ تحرر الوعي ممكن حين يعيد الإنسان تعريف ذاته بلغته هو، وبتاريخه هو، وبذاكرته هو، لأنّ الاستعمار في جوهره لا ينجح إلا عندما يُقنع المستعمَر بأن يتكلم بلسان مستعمِره ويرى نفسه بعينه، والتحرر يبدأ حين تنكسر هذه الحلقة، وحين يستعيد الإنسان حقه في أن يعرّف نفسه بنفسه لا أن تُعرّفه السلطة الرمزية التي وُلد تحتها.
وفي ذكرى رحيله الرابعة والستين، يعود فانون لا باعتباره شاهدا على عصر قديم، وإنما باعتباره علامة على معركة اجتماعية مستمرة، معركة تدور في الوعي أكثر مما تدور في الأرض، معركة تُخاض داخل اللغة والصورة والرغبة والمعنى، معركة تذكّرنا بأنّ الشعوب لا تتحرر حقا إلا حين يتحرر وعيها من الأقنعة التي صُنعَت لها، وتستعيد القدرة على رؤية ذاتها من دون تلك المرايا التي نصبها الآخرون في طريقها.

مقالات ذات صلة