الرأي

فتنة السكن!

جمال لعلامي
  • 3695
  • 4

الـ200 ألف وحدة سكنية اجتماعية “الجاهزة” والقابلة للتوزيع الفوري على مستحقيها من الجزائريين، تكاد تتحوّل إلى 200 ألف “قنبلة” قابلة للانفجار في أيّ مكان وزمان، والحال أن وزير السكن، صدق عندما قال بأن السكن وتوزيعه تحوّل إلى “خطر على النظام العام!”

من ورڤلة وقسنطينة، وبرج بوعريريج إلى وهران والبويرة والعاصمة، والعديد من الدوائر والبلديات التابعة لعدّة ولايات، ينفجر فيهل الشارع في كلّ مرّة فور الإعلان عن المستفيدين من الحصص السكنية، خاصة ما تعلق منها بالصيغة الاجتماعية، وبالفعل، فقد تحول ملف السكن إلى فتنة تنام وتستيقظ، فمن يتحمّل المسؤولية في ألغام ليس من السهل تفكيكها دون رعب وبلا إصابات؟

عندما قرّرت السلطات العمومية، سحب صلاحية دراسة الطلبات وتوزيع السكن، من لجان كان يرأسها الأميار، وتحويل صلاحياتها إلى لجان يرأسها رؤساء الدوائر، اعتقد المتابعون أن هذا “الحل” سيُنهي المشكل ويضع حدا لتفخيخ الشارع وصبّ البنزين على النار والتحريض على الاحتجاج!

لكن، بعد سنوات من هذه التجربة، مازال نفس المشكل مستمرا، وتظلّ ذات القنبلة تنفجر هنا وهناك، كلما تمّ الإعلان عن قائمة المستفيدين من الكوطات الجاهزة للتسليم، فأين إذن الإشكالية طالما أن الأميار الذين كانوا متهمين بسوء التوزيع والمحسوبية و”البن عمّيس”، لم يعودوا سوى صوتا فقط ضمن عضوية لجان السكن؟

الآن، الأميار يشتكون من سحب صلاحياتهم، وقد وجد الولاة ورؤساء الدوائر أنفسهم في “فمّ المدفع”، وهو ما جعل بعض رؤساء المجالس المنتخبة يتنفسون الصعداء لأنهم ارتاحوا من “تكسار الرّاس”، واستراحوا من تحمّل تبعات التوزيع وما يلحقها من احتجاجات على القوائم المعلنة، المشهد الذي لا يشجّع اليوم رؤساء الدوائر والولاة على المغامرة بتعجيل التوزيع!

بالفعل، قد تتورّط لجنة أو رئيس دائرة في منطقة معينة، في “حشو” القائمة بمستفيدين “غير شرعيين”، لكن هل يُعقل أن كلّ المستفيدين المتضمنة أسماؤهم وعناوينهم في القوائم هنا وهناك، لا يستحقون هذه السكنات التي يبقى العرض فيها أقلّ من الطلب عليها؟

قديما قالوا: “إرضاء الناس غاية لا تدرك”، فالمستفيد يرى أنه “صاحب حقّ مشروع”، وغير المستفيد يعتقد أنه “محڤور”، وبين الفئتين تستيقظ روح الغيرة والحسد وتصفية الحسابات ويلعب الحظ دوره، ولذلك تعجز في كثير من الحالات لجان دراسة الطعون عن تصفية القوائم وتطهيرها بشكل عادل، وأحيانا يتمّ “مسح الموس” في مواطنين لهم كلّ الحق في الاستفادة، وبالتالي يتحوّلون إلى ضحايا وأضاحي للطعون التي تحرّر حسب الكثير من الشهادات والاعترافات، انطلاقا من أرضية غير قانونية وطبقا لنظرية مفادها: “راهم يڤولو” المقتبسة من “كلام القهاوي” دون أن يتوفر أيّ دليل!

نعم، المسؤولية يا جماعة الخير، جماعية ومشتركة، ويستحيل إسكان 1000 طالب للسكن في مشروع يتكوّن من 100 شقة فقط، مثلما يستحيل صبّ دلو ماء في فنجان قهوة، لكن هذا لا يمنع من القول، بأن هناك تجاوزات وخروقات ومحاباة، وهناك أيضا “حڤرة” وتمييز ومفاضلة، ليبقى السكن في كلّ الأحوال حقّ لكلّ مواطن، لم يستفد سابقا من أيّ صيغة من المشاريع التي تدعمها الدولة بأموال الشعب!

قد تكون البطاقية الوطنية، أحد الحلول – وليس كلها – للتخفيف من روع “المأساة الوطنية” في مجال السكن، شريطة أن تطبّق بأثر رجعي، لكن هذه الآلية القانونية قد تفضح المستور وتنشر الغسيل، سواء تعلق الأمر بمسؤولين أو حتى مواطنين استفادوا أكثر من مرّة، من سكن خارج القانون والأخلاق، وعن طريق النصب والاحتيال والهفّ!  

مقالات ذات صلة