جواهر
من عمق المجتمع:

فتياتنا.. عندما يهربن من قسوة العائلة لجحيم الزواج!

تسنيم الريدي
  • 9381
  • 4
ح.م

فاطمة فتاة تعيش في حي بسيط، والدها الذي لم يتحمل مسؤولية تربية خمسة أبناء، رمى على عاتقها هي ووالدتها حمل هذا العبء عنه، لم تستطع إكمال دراستها وخرجت للعمل مبكراً، كانت تجد والدتها قد أنهكها العمل في البيوت، وأخوتها الصغار ما زال أمامهم مراحل تعليمية مختلفة بنفقاتها، ووالدها ماكث في البيت، يصل صراخه نهاية الشارع إن لم يجد طعاماً يملؤ به بطنه، وإن لم يحتوي على دجاج ولحم، فلا تجد مفراً من ضرباته القاسية.

لم يكن أمام فاطمة – والتي كانت تمتلك جمالاً باهراً- إلا الزواج من أول رجل ثري يتقدم لخطبتها، بغض النظر عن دينه وخلقه، لتنقذ نفسها وأخوتها من هذا العذاب.

ورغم قسوة قصة فاطمة فهناك من تقبل بأول طارق لبابها فقط للهروب من بيت أهلها، ظناً أن بيت زوجها سيكون أكثر راحة وأماناً.

القسوة تولد الطمع والمادية!

توجهنا إلى بعض الفتيات اللاتي وقعن ضحية هذه المشكلة وتبدأ ح.ن من الكويت حديثها دون أي خجل قائلة: “أبي إنسان قاسي لا يعرف في معاني التربية إلا السوط، كنا نرتجف منه رجفاً، وكانت أمي تنل مما نناله إن تحدثت أو حاولت أن تقف بوجهه، كان يفعل ذلك ظنا أن هذه هي معايير التربية الصحيحة، قسوة وعنف، وللأسف أخوتي الشباب هرب أحدهم من البيت ووجد رفقة السوء التي تحتضنه، وأنا لم أجد مفراً من قبول أول رجل تقدم لخطبتي والذي لم يختلف عن أبي كثيراً سناً ومعاملة، بل يزيد عن أبي بغيرته الشديدة، لكنني سأتحمله عساه يموت قريباً وأكون أنا ضمن ورثته ووقتها سأبدأ حياتي”.

أما زينب من الجزائر فقد كانت لها خطة أخرى حيث تقول: ” الحنان الذي افتقدته في بيت أهلي جعلني أفكر مراراً قبل أن اجعل أبنائي يمرون بنفس التجربة، وفي نفس الوقت رغبتي في التخلص من قيود أهلي وحنيني إلى الأمومة جعلني لا بد أن أتزوج من يراه أبي مناسباً، عشت فترة عام مع زوجي الحالي وأنا لا أحبه مطلقاً، بل وأكره قيامي بواجباتي الزوجية تجاهه، خاصة وأنه كان ينظر إلى نظرة دونية بأنه قد اشتراني بماله، وفور أن رأيت ابنتي بين أحضاني انفصلت عن هذا اللاإنسان، وبدأت حياتي لأرعى ابنتي لأكون كل حياتها”.

تبعات الاختيار الخاطئ.. التحمل

أما هناء من الأردن فقد كانت أكثر عقلانية حيث تقول: “أنا من اخترت الهروب من بيت أهلي بالزواج، وأنا من اخترت أن أنجب، لذلك محوت من بالي الانفصال عن زوجي الهمجي، فهو لا يصلي ولا يعرف الله تعالى، ولا يتوانى عن ضربي كلما غضب، ويظن أنني سأسامحه طوال عمري، وللأسف فزواجي دون موافقة أبي جعله يقاطعني، ولا أستطيع أن أطلب من المساعدة الآن، لكنني لا أفكر في الطلاق أبداً حفاظاً على أبنائي، ولن أعود لأبي مجدداً”.

وقد رفضت البعض فكرة قبول أي رجل لأجل التخلص من جحيم بيت والدها حيث تقول مرفت من سوريا: ” أنا لم أتزوج حتى الآن، لأن الجميع يعرفون عنا كل سمعة سيئة بسبب أمي، وكل من تقدموا لخطبتي رجال أسوأ من أمي، وللأسف وفاة أبي منذ فترة طويلة أثرت في كثيراً حيث لم أجد السند والعون، لكنني فكرت ملياً بأن بقائي عانساَ إن لم يتقدم لي شاب صالح أفضل من بناء بيت جديد مستقبله الانهيار قبل أن يبنى!!

بالعقل حددي الأولويات والقرارات

وهنا يقول المستشار الاجتماعي والتربوي الأستاذ مصطفى أبو على  – من المغرب  والصحفي بجريدة الشرق القطرية: “يعتبر الزواج من بين المحطات الرئيسية في الحياة بل من أهمها، وذلك للقيام بالوظيفة الإستخلافية في الأرض، والزواج عقد ويرتجى منه الدوام بل هو من أهم  أسسه، وإن علمت كل فتاة كل هذا فستحسن اتخاذ قراراتها، أما أن يكون الزواج حلاً لمشكلة لحظية أو للهرب من واقع ما، فهو ضرب من الجنون والمجازفة، حيث أن مثل هذا التفكير يجعل بعض الفتيات يتهاونَ في اختيار الزوج بعناية، ويكنَ تحت ضغط الظروف المزرية التي يعشنها مع أسرهن، فإن فكرنَ ملياً فسيجدن أن فترة بقائهن مع أبائهن قبل زواجهن هي أقصر دائما مقارنة ببقائهن في كنف أزواجهن، فرغم قسوة الظروف في كنف الوالدين ستكون أهون من حياة أبدية مع زوج سيء، فهناك أزواج ليسوا ذوي مروءة وتنعدم فيهم روح المسؤولية، مما سيجعلهن يعشن حياة أشد ألماً و أرقاً، وليت الأمر يتوقف عند هذا بل سيكلل زواج فاشل كهذا بتطليق أو خلع فيعدن أدراجهن للأسرة فكيف سيكون حالهن عندها؟؟

ويضيف قائلاً: “كما أن بعض الفتيات اللاتي يعانين حياة صعبة مادية في بيت آبائهن يتساهلن في اختيار الزوج من حيث أخلاقه، وما يهمهن فقط هو ماله وهل سيوفر لهن بحبوحة العيش، غاضين الطرف إن كان سكيراً أو معاقراً للمخدرات أو متهوراً أو غير ذي دين، فزوج كهذا ربما يذهب عنه ماله لكن السؤال هل سيذهب عنه خلقه وما يقترف؟؟”.

الزواج حينما يصبح مشروعاً تجارياً

وعن دور الإعلام في رسم الصور الخيالية للفارس ذو الحصان الأبيض الذي ينتشل حبيبته يضيف قائلاً: “الكثير من الفتيات يتزوجن عن إعجاب لا عن اقتناع، وما رسخ هذا هو تعزيز الصورة الإعلامية للزوج الوسيم المفتول العضلات والثري وما إلى ذلك، مما يجعل كل نقيصة فيه بعدها لا تهم، وبدلاً من توعية الوالدين للفتاة المقبلة على الزواج، بما لهم من خبرة أكثر ويعلمون مصلحة ابنتهم، فنجد بعض الأهل يظنون أن ثراء زوج ابنتهم سينقلهم لمستوى مادي أعلي مما سيترتب عليه معيشة ابنتهم في سعادة، فأصبح الزواج مشروعا تجارياً، وفي هذه البيوت فقدت الأسرة دورها التربوي للفتيات.

وسألناه عن عواقب هروب الفتاة من جحيم الأهل إلى زوج سيء فرد قائلاً: “إذا كان الزوج مدمناً، فيمكن النظر إلى مدى جدية إدمانه، ويمكن للزوجة أن تساعد الزوج للتعافي منه بالصبر والمثابرة، وأن تتحمل مسؤوليتها خصوصاً إذا تزوجته وهي تعلم بإدمانه.”

وعموماً فالزوجة أقدر على التأثير على زوجها بطيبتها وأخلاقها، فقوة المرأة في ضعفها وتأثيرها في لينها، لكن من تظن أنها ستكون الند للند مع الرجل فواهمة، فيلزم الزوجة أن تحكم عقلها، فزوجة رجل قاسي اختارته بنفسها، خير من مطلقة لها أبناء، وللأسف في الكثير من حالات الزواج تتبنى الفتاة الطلاق كأول الحلول، فتأثير السرعة والتوتر وعدم الصبر في تحمل أعباء العيش وكذلك فكرة الزواج الذي  ينظر له من طرف البعض أنه سجن وسالب للحرية، يساعد في قرارات الطلاق السريع، فقناعاتنا هي التي تحكم تصرفاتنا و أولويتنا تحدد قراراتنا.

الزواج الظالم!

وعن رأي الشرع في هذا الأمر يضيف الدكتور مسعود صبري عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين: “هروب الفتاة من قسوة أهلها، وأنها لا تجد راحتها مع أبويها لأسباب تختلف من فتاة لأخرى، وقبولها الزواج من أي رجل، لا يعد حلاً، بل ربما كان إلقاء للنفس في التهلكة، خاصة إذا علمت الفتاة أن الرجل الذي ستتزوجه ليس إنساناً ذا دين، أو أنه ليس الإنسان المناسب لها، لو أنها فكرت في الارتباط به في غير هذه الظروف، ولربما كان الصبر على قسوة الوالدين أخف ألف مليون مرة من الزواج برجل لأجل مجرد الهروب، فإن الله تعالى وضع محبة للولد في قلب أبويه مهما كانت قسوتهما.

فمثل هذا التصرف وإن كان يصح ديانة، لا يمكن الحكم عليه بالحرمة مطلقاً، إلا أنه يمكن أن يكون في أصله مكروها، لأنه لم تراع فيه الشروط الشرعية في الزواج، هذا إن كانت فيه موافقة الوالدين، وقد يكون حراما؛ إن علمت الفتاة أنها ستوقع نفسها في ظلم، وقد قال تعالى: ( ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة)، وليست كل الأمور التي تصح ديانة وقضاء هي من باب أولى، فقد يكون الشيء صحيحا في نفسه؛ لأنه يحظر لأجل ما يترتب عليه من المفاسد”.

ويضيف قائلاً: “إننا نهيب ببناتنا وأخواتنا أن يكن عاقلات حكيمات، فالزواج ليس وسيلة للهروب من مأزق أو ورطة، وإنما الزواج سكن وراحة، فكيف تلقي الفتاة بنفسها في جحيم لا يطاق، أو تظلم نفسها بأن تتزوج من لا ترضاه في قرار نفسها، وكيف سيكون أولادها؟ وربما يؤدي إلى هذا إلى الطلاق.

إن من الحكمة ألا يتخذ الإنسان قرارا في حالة غير طبيعية، بل عليه أن يصبر ويحتسب، وأن يجد في الله سلوى له، وفي اللجوء إليه، والتقرب منه وسيلة حتى يكشف الله عنه الكرب، ويزيل عنه الهم، ويذهب عنه رجز الناس والشيطان، فالمشكلة الحقيقية هو هروب الناس من الناس إلى الله، ولكن المؤمن الصادق هو الذي يهرب من ظلم الناس إلى عدل الله، ومن قسوة الناس إلى رحمة الله، وضيق الناس إلى سعة الله ( ففروا إلى الله إني لكم منه نذير مبين).

صبر جميل

وعن عواقب هذا الزواج يوضح قائلاً: “إن مثل هذا الزواج عرضة للهدم، والبيوت في الإسلام أساس البقاء والبناء، لا الهدم والفناء، أساسها أن يعيش الإنسان ( زوجا وزوجة) سعيدا، لا أن يكون تعيسا، أساسها أن يتفرغ قلبه بإشباع شهواته بالحلال لطاعة الله تعالى، وأن يكون في كنفه”.

ومن العواقب السيئة ألا يجد الأبناء بيئة صالحة، فربما يتشردون، أو ينحرفون، أو يشذون عن نهج الله المستقيم، وربما لا يجدون مأوى إلا الشوارع، فيكون هذا الزواج ظلما مضاعفا، فالزواج أساسه تقوى الله، ثم أن يختار الزوج والزوجة الصالح للحياة معه، لأن الزواج في الإسلام أساسه الدوام لا التوقيت، فلا تظلم الفتاة نفسها، ولا تكون سببا لشقاء أولادها، بل عليها أن تتحلى بالصبر الجميل، كما قال سبحانه ( واستعينوا بالصبر والصلاة)، ( واصبر وما صبرك إلا بالله).

فما أجمل الصبر مع ألمه، ولكن ما أحلاه مع فرج الله في الدنيا، والثواب الجزيل في الآخرة، ( وبشر الصابرين) بشرهم في الدنيا بفرج قريب( فإن مع العسر يسرا. إن  مع العسر يسرا)، وبشرهم بقربات عند الله وجنات عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين، فالملجأ الحقيقي للناس عند الشدائد والأزمات ليس إلا الله، فبأمره تفرج الكربات، وتزال العقبات، وتستجلب الرحمات، فعلى كل فتاة أن تحفظ نفسها ودينها، ولا تنسى أن لها ربا قادرا على كل شيء، ولا تلق بنفسها بالتهلكة، ولتصبر ولتتمهل حتى تختار زوجا صالحا يكون لها عونا على طاعة الله، وسببا في سعادتها في الدنيا والآخرة.

مقالات ذات صلة