فرانسوا هولاند: نحو شراكة النّد للنّد مع الجزائر
لم يخف قصر الأليزيه حرصه الشديد على إنجاح في زيارة الرئيس الفرنسي، فرانسوا هولاند، إلى الجزائر، المقررة يومي 19 و20 ديسمبر الجاري، حيث يجري التخطيط لكل خطوة يخطوها بالجزائر وكل كلمة يتفوه بها أمام الرأي العام الوطني، ويجري حتى التفكير في تقديم هدية ترضي كل الجزائريين، خاصة وأن الاختيار قد يقع على تحفة تاريخية تحمل الكثير من الرمزية، قد تكون مدفع بابا مرزوق، أو مفتاح مدينة القصبة، من شأنها المساهمة في تطبيع العلاقات بين البلدين في جانبها التاريخي والثقافي المثقل بالريبة والتنكر.
وأكدت جريدة “لوموند ” الفرنسية، أمس، أن الرئيس الفرنسي سيقترح على رئيس الجمهورية شراكة النّد للنّد، لإخراج العلاقات الثنائية من حالة التوجس والتوتر، وأفادت بأن الرئيس الفرنسي التقى في 30 نوفمبر مع مجموعة من المثقفين والباحثين لهم ارتباطات مع الجزائر، حيث تلقى عدة نصائح وتوجيهات يكون قد أخذها بعين الاعتبار، حيث سيحضر معه عدة عقود تجارية أو قطاعية، وخاصة في مجال الصناعات الغذائية والفلاحة، واتفاقا نهائيا بإقامة مصنع لتركيب سيارات “رونو” قرب وهران، بعد عامين من المفاوضات.
وما يبرز أهمية الزيارة وطابعها الثنائي، هو أن ثلاثة وزراء تتابعوا على زيارة الجزائر لتحضير زيارة رئيس الجمهورية الفرنسي، وإنشاء أفواج عمل مشتركة لمعالجة مختلف المسائل، حيث تناولت عدة قضايا حساسة تؤزم صفو العلاقات، مثل ديون الخدمات الإستشفائية المستحقة على الجزائر، المقدرة بـ30 مليون أورو، والتي يثيرها اليمين المتطرف في كل مرة يطالب الجزائريون بالاعتراف بجرائم الاستعمار، حيث أثيرت من جديد تزامنا مع إشارة وزير الدفاع السابق والسيناتور، جيرار لونغي، غير الأخلاقية، ردا على طلب وزير المجاهدين بالاعتراف بجرام الاستعمار، ووضعية أطفال الزواج المختلط، والتأشيرات التي بلغت 165 ألف تأشيرة في2011، وهي مرشحة لبلوغ 200 ألف تأشسيرة في 2012.
وحسبما أفادت به جريدة “لوموند” الفرنسية، أمس، فإن الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند، اختار جامعة تلمسان لألقاء كلمته الأساسية، خلافا لجاك شيراك الذي فضل النزول في مدينة وهران كمحطة هامة في 2003، بينما كانت قسنطينة منبرا لخطاب ساركوزي في 2007، حيث من المنتظر أن يقف هولاند على مسافة قريبة من مطالب الجزائريين، خاصة وأن الزيارة تأتي في غمرة الاحتفالات بخمسينية الأستقلال، كما أن الرئيس الفرنسي أقر بمسؤولية فرنسا بجريمة 17 أكتوبر1961، المرتكبة في حق المهاجرين الجزائريين، وتاريخ 19 مارس، ذكرى النصر بالنسبة للجزائريين، لأحياء ذكرى قتلى حرب الجزائر، بدل تواريخ أخرى لا معنى لها تاريخيا، منها 5 ديسمبر الذي أقره شيراك، و11 نوفمبر، وهو اعتراف آخر بهزيمة فرنسا الأستعمارية.
وفي سياق إشارتها إلى أن الزيارة ستأخذ بعدا سياسيا كبيرا أيضا، أفادت “لوموند” بأن المواقف والقناعات السياسية للرئيس الفرنسي يقابلها الجزائريون بكثير من الإرتياح، وخاصة إقرار جرائم 17 أكتوبر1961 في حق المهاجرين، حيث تلقى موقع قصر الأليزيه على الأنترنت 10 آلاف رسالة من جزائريين مباشرة بعد إعلان الرئيس عن القرار، إلى جانب تزكيته لإقرار عضوية فلسطين كعضو ملاحظ في الأمم المتحدة. ومن المقرر أيضا أن يتوقف هولاند عند المقبرة المسيحية ببلوغين، مثلما فعل شيراك من قبل، وإلقاء خطاب أمام غرفتي البرلمان وتختم الزيارة ببيان مشترك.
غير أن المصدر ذاته أبدى تخوفه من تكرار فشل تطبيع العلاقات كما حدث مع شيراك، الذي أعاد الحرارة إليها خلال زيارته إلى الجزائر، لكن البرودة عادت إليها من جديد بعد اعتماد قانون 23 فيفري 2005 الممجد للأستعمار، ونفس الأمر بالنسبة لساركوزي الذي اعترف خلال زيارته بأن النظام الإستعماري غير عادل مناقض للمبادىء الأساسية لجمهوريتنا القائمة على الحرية، العدالة، الأخوة، وهو ما اعتبره الجزائريون مؤشر خير يبشر بالاعتراف بجرائم الإستعمار، غير أن الأمور عرفت منعرجا آخر بعد اعلان مواقفه المتطرفة من الثورة، والمدافعة عن الإستعمار حين ذهب بعيدا في دعم مطالب الحركى والأقدام السوداء، إلى جانب اعتقال الدبلوماسي حسني، المتهم باغتيال المحامي علي مسيلي، ليفرج عنه بعد تبرئته وبعد نشوب أزمة دبلوماسية بين الدولتين.
ومن المنتظر أيضا أن يثير الرئيس هولاند، قضية اغتيال رهبان تيبحيرين في 1996، وأملاك فرنسيين بقوا في الجزائر بعد الإستقلال، حيث ينشط فوج عمل مشترك لهذا الغرض.
كما يقف هولاند في ساحة موريس أودان، لإحياء ذكرى هذا المناضل الفرنسي المناهض للإستعمار، والذي قتل تحت التعذيب بسبب مواقفه المتعاطفة مع ثورة التحرير، في حين يبقى الجزائريون يترقبون اعترافا من هولاند، بشأن جرائم الاستعمار الفرنسي في حق الجزائريين، رغم أن الأمر لم يكن يوما ضمن طلب رسمي من الدبلوماسية الجزائرية.