الرأي

فرصة العمر

كما يظهر ناثرو الورود على سيرة الوزير الأول الجديد السيد أيمن بن عبد الرحمان، بعيدين عن وزن الأمور بدقة، ومبالغين في مدح الرجل ومنحه شهادة الاعتراف قبل اجتيازه الامتحان الكبير، يظهر مطلقو النار في موكبه من دون رأفة، كتلة من التشاؤم بإمكانها أن تدفع الناس إلى الانتحار الجماعي لو مكّنتهم الظروفُ من فعل ذلك.

نحن الآن أمام وزير أول جديد صافي الصحيفة، وبسيرةٍ ذاتية محترمة، سيقود حكومة في أهم فترة تعيشها الجزائر في تاريخها الحديث، إما أن يكون فيها أو لا يكون، ولا طائل أن تتكرر الانتقادات اللاذعة والقراءات السوداء المتشائمة حول مسار لم ينطلق بعد.

وإذا كان بعض الناس قد خُلقوا من أجل أن لا يشجِّعوا الآخرين ولا يشكروهم مهما كانت مناقبهُم ويجلدوهم ويرجموهم، فعلى الأقل يجب أن يصمتوا مع بداية مسار الحكومة الجديدة، إلى غاية أن تتجاوز بعض المحطات السياسية والاقتصادية والمالية ويظهر بياضُها من سوادها، ويصبح الانتقاد والتحليل في محله.

لقد أعطى الجزائريون على مدار عقود الفرص المتتالية لرؤساء حكومات حوّلوا البلاد إلى حقل تجارب، ومنهم من حرث الأرض ولم يحصدها، ثم عاد في مناسبات كثيرة مثل أحمد أويحيى وعبد المالك سلال وغيرهما من الذين تزامنت فترة حوكمتهم وتحكُّمهم مع عهد الثروة التي كانت تتهاطل مدرارا، ولم يجدوا أمامهم أيّ حواجز، فعملوا وفشلوا، ولم يتم تقييمُهم ولا نقول محاسبتهم حتى بعد أن خرجوا من الحكومة أو أخرجوا منها، وفعلوا ما يعلمه جميع الجزائريين من خراب في كل المجالات. ولا نفهم لماذا يتم حاليا انتقاد رجل لم يبدأ بعد تجربته الجديدة، ومقارنته برجال سابقين من المحسوبين على عالم السياسة، والبدء في مقارنة ومطابقة وزارة المالية التي كان يقودها مع الوزارة الأولى التي لم يقدها بعد.

لا جدال في أن الوضع صعب ولا يحتمل أيَّ نكسة، وهو في حاجة إلى “كوموندوس” من الأكفاء والنزهاء والصابرين، ينتصر في كل المعارك من دون أيِّ أضرار، ولكن ذلك لن يتحقق إلا من خلال منح الفرصة كاملة للطاقم الجديد الذي سيبقى تحت مجهر المواطنين، الذين لا يريدون أقلَّ من ثورةٍ تنسيهم في حكومات الفشل الذريع التي أسَّست لجمهورية اليأس التي أوصلت الجزائريين إلى تفضيل المخاطرة بالنفس بمصارعة الأمواج من أجل العيش منبوذا في بلاد الآخرين، على التمتُّع بخيرات قارَّة لا تقلُّ مساحتُها عن مليونين وربع مليون كيلومتر.

اتَّفق الجزائريون على أن الفترة التي قضاها عبد العزيز جراد على رأس الحكومة كانت فاشلة على جميع المستويات بالرغم من أنها لم تعمّر طويلا، إذ افتقدت للجرأة وللأفكار، فشابهت حكومات الزمن السابق، وعليهم أن ينتظروا الحكومة الجديدة ويؤسسوا لدولة محاسبة، لا تتابع الذين ينهبون المال العام فحسب، وإنما أيضا الذين ينهبون السنوات والمناصب من دون أن يقدِّموا للبلاد ما يحلم به العباد من رفاهية، يختصرها المواطنون في عيش كريم فقط.

مقالات ذات صلة