فرعون وآترامب
رأيت في المنام أنني كنت أتجول في حديقة ذات بهجة وجمال، بما فيها من أشجار باسقة، وأزهار متنوعة الأشكال والألوان، تنبعث منها روائح طيبة تبهج النفس، وتشرح الصدر وتذهب الحزن، وتجعل الإنسان يحس أنه في عالم غير هذا العالم المملوء ظلمًا وفجورا وفسادا.
كنت أسبح في ذلك العالم البهيج فإذا بكائن يلحقني ويسايرني، وحياني بتحية لا أعرفها، ولكنني رددت التحية مع حركة بالرأس وابتسامة صفراء، كما نقول نحن، أو “او باردة” كما يقول الانجليز، الذين ما دخلوا بلدا إلا غرسوا فيه من المشاكل ما لا حل لها، فهم كما وصفهم الإمام الإبراهيمي: “حلقة الشر المفرغة، منهم يبتدئ وإليهم ينتهي”.
بعد بضع خطوات أمسك بيدي واستوقفني قائلًا: “أنا فرعون”.. ففزعت، ثم تمالكت نفسي، واصطنعت ابتسامة وقلت له: أي فرعون أنت؟ فالفراعين في هذا الزمن لا يكادون يحصون عدا، حتى ان فريقا لكرة القدم سمّى نفسه أو سمّوه “منتخب الفراعنة”.
قال لي: دعك من هذه الفراعين المزيفة، فالتاريخ لا يعرف إلا فرعونا واحدا، ولفرعونيته أرسل الله إليه رسولين هما موسى واخوه هارون.. ورغم انها رسولان فقد خشيا فرعون لفرطه وقالا “إننا نخاف أن يفرط علينا أو أن يطغى”. هززت رأسي دلالة على أنني عرفته، وافتعلت ابتسامة رجاء ان يتركني استمتع بما في تلك الحديقة من جمال…
استوقفني ذلك الفرعون مرة أخرى، وقال لي: لقد ظلمتموني أيها البشر، إذ تطلقون اسماء فرعون على كل الطغاة والجبابرة، الذين هم اظلم وأطغى مني..
استرجعت بعض شجاعتي، وقلت: وهل تنكر ما فعلت؟ قال: لم أنكر شيئًا مما فعلت، ولكني استعليت على قومي فقط، واستخففتهم وأمرتهم أن يتخذوني إلها، وقلت لهم: “أليس لي ملك مصر، فهذه الأنهار تجري من تحتي”… واستعبدت وقتلت ذكور اليهود لفسادهم، ولكنني استحييت نساءهم.. وتظلمونني وتشبهون بي كل طاغية وجبار في الأرض.
قلت: وهل تتبرأ من ذلك الطغيان، وتنكر ذلك التجبر؟ فقال: ما أبرئ نفسي، ولكنكم تتعامون عمن هو أكثر طغيانا وأشد استبدادا، فتنكسون أمامه رؤوسكم، وتتملقونه بالكلام الجميل، وتسترضونه بالمال الجزيل، وتستعطفونه بالتملق الذليل، وقد بلغت به الوقاحة أن أذل بعضكم في عقر ديارهم… فقاطعته قائلا: من هو هذا الذي أذلنا لنجعله تحت أقدامنا؟
حدجني بنظرة، وهز رأسه سخرية مما أقول وأجاب: إنه هذا المغرور المسمى آترامب الذي تفرعن على العالم كله، فلا يقيم وزنا لشخص أو دولة أو هيئة أو قيمة من القيم الإنسانية… إلا اليهود الصهاينة فقد استعبدوه وسخروه، لأنهم يملكون أدلة على بعض قذارته… ثم غاب عني هذا الفرعون كأن طيرا تخطفته، أو ريحا هوت به في مكان سحيق.