الرأي

فرق الوطنية المنسية

حبيب راشدين
  • 2170
  • 8

ربما ندين للفيفا ببعض الجميل، وهي تبرمج للمرة الثانية اللقاء الحاسم المؤهل إلى المونديال في هذه الشهر المبارك في تاريخ الجزائريين، وإلا كنا توقفنا فقط عند حادث إساءة بعض المغاربة إلى العلم الوطني في الفاتح من نوفمبر، وما كنا رأينا ذلك التنافس بين الجزائريين على إعلاء العلم الوطني بشتى الوسائل والوسائط، في تعبير جماعي ليس له نظير في سوى الأيام الأولى لإعلان الاستقلال.

المشهد ثمنه الجميع، مواطنون وساسة، على أنه مرآة عاكسة لحب الجزائريين لبلدهم، وتعلقهم بالعلم الذي رسمت ألوانه المقاومة الوطنية منذ الأمير عبد القادر، وثبتتها ثورة التحرير. ولا شك عندي أن جذوة الوطنية لم تخمدها سياسات الإقصاء والتهميش التي طالت منذ الاستقلال شرائح واسعة من الجزائريين، الذين حرموا من نصيبهم من الوطن ماديا ومعنويا.

غير أن التعويل على المناسبات الرياضية والكروية تحديدا، لقياس منسوب الوطنية بما يرفع من أعلام وأهازيج تصدح بمشاعر حب الوطن، هو رهان خاسر وربما خطير. وهو في كل الأحوال مقياس فاسد ومضلل.

لقد حرر هذا العمود ساعات قبل انطلاق اللقاء الكروي الحاسم، ومع تمنياتي للفريق الوطني بالفوز واقتطاع التذكرة إلى البرازيل، وإدخال بعض البهجة على الجزائريين، فإنه يبقى مجرد لقاء كروي محكوم بقوانين المنافسات الرياضية، يحتمل فرص التوفيق ومثلها من الإخفاق الذي لا يتمناه أحد، ويخشاه كثير من الساسة الذين يراهنون على الفوز لإشغال الرأي العام على الأقل في الأشهر الثمانية القادمة.

ظهور الأعلام الوطنية في المنافسات الرياضية فقط، بل في منافسات كرة القدم تحديدا، هو شاهد إثبات على فشل النخب في السياسة، والاقتصاد، والثقافة، والفنون، والعلوم، فشلها في تحقيق نتائج من شأنها أن تشعر المواطنين بالفخر ببلدهم، والاعتزاز بالانتماء إليه. ولعله هو ما يفسر الجهود التي تبذلها السلطة لمرافقة الفريق الوطني، ودعمه بإنفاق سخي لا يحظى به أي مجال تنافس آخر، ولن تجد نفس الجهد والسهر والإنفاق في اختيار ناخب وطني لقيادة فريق وطني من العلماء، ومثله من المفكرين، والأدباء، والمبدعين، يدخل بكفاءة في منافسات عالمية، أو الإنفاق على ناخبين أكفاء لقيادة فريق وطني من أرباب المال والأعمال، يدخل في منافسة على نصيبنا من الأسواق العالمية، وقس على ذلك…

 

بقي أن أشير إلى أنه، وكما لا يتصور أي عاقل، أن يعول على فريق من الكهول والشيوخ من محترفي الكرة، للدخول بهم في المنافسة، وكسب تحدياتها، فإنه لا يمكن التعويل على الفريق المتهالك من الشيوخ من جيل طاب جنانو لقيادة بلد، ثلاثة أرباع مواطنيه هم دون سن الثلاثين، والدخول به في منافسات ضد التخلف والجهل والمرض، وأنه يتعين على الجهة التي تراهن اليوم على الشباب لرفع الراية الوطنية في ملاعب العالم، أن تراهن على بقية الشباب في إعلاء أكثر من علم في أكثر من ميدان تنافس بين الأمم.

مقالات ذات صلة