الرأي

فرنسا‭ ‬وقراءة‭ ‬شجاعة‭ ‬للتاريخ

صالح عوض
  • 5576
  • 8

الفرنسيون يفخرون بأنهم اكثر انواع الاستعمار اعتمادا على الثقافة واللغة.. وان فرنسا هي أم الحريات، ولا يتردد كثير من بني جلدتنا بإزجاء المديح والتبجيل للحضارة الفرنسية ونعيمها وحقوق الانسان فيها.. وهذا كله يقف في خانة الفحص والتشكك عندما نلتفت قليلا للخلف ونحصي جرائم فرنسا الكبرى في بلاد الآخرين.. ولا يملك أحد حتى عتاة الاستعمار والجريمة ان يبرروا ما حصل خلال قرن وثلث في الجزائر، فلقد ارتكب قادة فرنسا عبر تلك الفترة الطويلة جرائم حرب بحق الانسانية عن سبق ترصد واصرار كتلك التي ارتكبها قادة الولايات المتحدة الأمريكية‭ ‬ضد‭ ‬الهنود‭ ‬الحمر‭.‬

ومن خلال قراءة شهادات لضباط فرنسيين وصحفيين واصحاب رأي بفرنسا، نكتشف كم كانت جرائم الاستعمار الفرنسي تتخطى كل حدود المحتمل، وما لم يكتب اكثر بكثير وهو في ذمة التاريخ، باختصار لقد دمروا المجتمع الجزائري بقوة النابالم والجريمة المنظمة ما يكفي ان نقول ان الاستعمار الفرنسي او حسب مصطلح المرحوم مولود قاسم الاستدمار الفرنسي حكم على الشعب الجزائري بعدم النمو السكاني قرنا وثلث، حيث كان تعداد المواطنين قبيل الاحتلال الفرنسي يقارب العشرة ملايين نسمة وقد بلغ عدد السكان عشية التحرير أقل من تسعة ملايين شخص.

فرنسا حرقت مكتبة الجزائر وحرقت الزوايا وأغلقت المدارس وقتلت وجهاء البلاد وقادتها ودمرت القرى والمداشر وحرقت المواطنين في المغارات وألقت قنابلها الذرية في صحراء الجزائر وفرضت الجهل والجوع والمرض على ملايين الشعب المسالم.

في فرنسا الآن ديمقراطية ومنظمات حقوق انسان واحزاب يسارية وقوى اجتماعية ضد اشكال الميز العنصري والتطهير العنصري.. فرنسا كما يقولون دولة واحة الحريات.. وهنا نسأل هل لايزال محظورا فتح ملف جرائم الاستعمار الفرنسي في الجزائر كما هو محظور فتح ملف محرقة الهولوكست‭ ‬ومحظور‭ ‬التشكيك‭ ‬في‭ ‬الرواية‭ ‬اليهودية؟

الغريب ان ساركوزي الرئيس الفرنسي السابق وفي خطوة استفزازية اتجه لإصدار قانون يمجد الاستعمار الفرنسي للجزائر.. لقد فقد ساركوزي يومها لياقته السياسية كما فقد حسه الأخلاقي وهو يوجه الإهانة لملايين الأسر المنكوبة في الجزائر ولمئات ملايين العرب والمسلمين والأحرار في العالم، وهنا كان لابد ان يتحرك العرب على المستوى الشعبي على الأقل والمنظمات الثقافية والسياسية لفضح مؤامرة تمجيد الاستعمار، ولكن ليس بطريقة اردوغان الذي استغلها بعد ان نال الفرنسيون من تاريخ تركيا ازاء الأرمن. المطلوب موقف مبدئي.. ولم نر أيضا ردة فعل من قبل الضمير الفرنسي او الثقافة الفرنسية بما يتناسب مع حجم الفعل الشنيع الذي ارتكبه ساركوزي.. وهذا في ذاته تعبير عن موت الضمير الفرنسي والوعي الفرنسي، بل وتيبس قيم الانسانية لدى المجموع الفرنسي.

لقد مضت عشرات السنين على استقلال الجزائر وطرد جيوش فرنسا من ارض الجزائر.. وانقضى من الوقت ما يكفي لكي يتدارك الفرنسيون أمرهم ويكتشفون اية جريمة ارتكبوها في حق بلد مستقل حر وشعب آمن مطمئن.. وكان من الضروري ان تقدم فرنسا بعد الاستعمار رؤيتها المعاصرة متحررة من روح العنصرية والغرور.. وتواجه حقائق التاريخ بجرأة وتعتذر عما اقترف السالفون من قياداتها وان تقوم بتعويضات معنوية ومادية تعبر عن صدق الاعتذار لا نقول كما يفعل الألمان والغربيون تجاه اليهود، ولكن ليس اقل من ان تملأ الأدبيات مؤسسات الحكم الفرنسي بأن للجزائريين‭ ‬حقا‭ ‬في‭ ‬أعناق‭ ‬الفرنسيين‭ ‬واجب‭ ‬التنفيذ‭ ‬حتى‭ ‬يوم‭ ‬القيامة‭.‬

هل تمتلك فرنسا الشجاعة ان تعترف بجرائمها وان تفتح صفحة جديدة مع الجزائر والعرب والمسلمين وأحرار العالم؟ هل سنصبح عما قريب على خبر يقول بأن فرنسا ارجعت ارشيف الجزائر وعوضتها عن مكتبتها التي حرقت بمكتبة عظيمة..؟ هل نصحو يوما على خبر مفاده ان فرنسا تجهز لجامعات عظيمة في الجزائر بكل ما يلزمها في مجالات البحث العلمي والتكنولوجيا تعويضا عما اقترفته من تدمير المؤسسات العلمية للبلد؟ هل نصحو يوما على خبر يقول ان فرنسا تعتزم بناء عشرات المستشفيات الكبيرة والمتخصصة وبكل التكلفة تعويضا عن سياسة التطهير العرقي التي مارسها‭ ‬الجيش‭ ‬الفرنسي‭ ‬الفاشي؟‭ ‬هل‭ ‬تبادر‭ ‬فرنسا‭ ‬بإرجاع‭ ‬ديون‭ ‬الجزائر‭ ‬المستحقة‭ ‬كثمن‭ ‬للقمح‭ ‬والحبوب‭ ‬التي‭ ‬استدانتها‭ ‬من‭ ‬الجزائر؟‭ ‬هل‭ ‬وهل‭ ‬وهل؟

انا لا أتوقع ان تقوم فرنسا بشيء من هذا القبيل، لأن الضمير السياسي الفرنسي متعفن تماما.. انه لا يعتبرنا بشرا او دولا مستقلة.. ان الروح الاستعلائية لازالت تتحكم في صانع القرار الفرنسي.. ولكن هل يكتفي اصحاب الحق بالمطالبة فقط، أي هل يكتفي اصحاب الحق بالموقف السلبي؟ هذا ينبغي ألا يكون ابدا.. وتبدأ المسألة من حبر المثقفين والكتاب والصحفيين ومن نشاط الجمعيات والمنظمات والمؤسسات ويتوسع ذلك ليشمل المحيط العربي والإسلامي والدولي ومرورا بمنظمات دولية حقوقية وانسانية.

صحيح اننا لا ندعو لحرب مواجهة مع فرنسا، وان كانت كثير من الدول تخوض حروبا لأقل من ذلك. ولكن باختصار ان هذا موضوعا يستحق النضال من اجله، لأنه يجري في مسار تصفية آثار الاستعمار والعدوان ولن يتردد صاحب ضمير حي ووجدان نظيف في الدفاع عن حقوق الجزائر المشروعة، وهكذا‭ ‬تكون‭ ‬امانة‭ ‬الشهداء‭ ‬مصانة‭ ‬وهكذا‭ ‬تكون‭ ‬اسباب‭ ‬الثورة‭ ‬مبررة‭ ‬ومشروعة‭.‬

مقالات ذات صلة