الرأي

فرنسا‮ “‬الشقيقة‮”! ‬

جمال لعلامي
  • 5777
  • 8

صدّقوا أو لا تصدّقوا، يُروى والعهدة على الراوي، أن وزيرا ليبيا وصف فرنسا بالدولة “الشقيقة”(..)، وبغضّ النظر عن أسباب ودوافع ومبررات وظروف هذا التصريح السياسي، الذي يبقى قائله حرّا في الإدلاء به ومسؤولا عنه أيضا، لكن ألا يستدعي مثل هذا الكلام الوقوف عنده، لنتساءل‮ ‬عن‮ ‬سرّ‮ ‬تحوّل‮ “‬الأعداء‮” ‬فجأة‮ ‬ودون‮ ‬سابق‮ ‬إنذار‮ ‬إلى‮ “‬أصدقاء‮”‬؟

يُمكن لفرنسا أن تكون “صديقة” لليبيا أو تونس أو مصر أو سوريا، كبلدان “للربيع العربي”، لكن هل يُعقل أن يحوّل الربيع أو الخريف فرنسا إلى “شقيقة” لدولة عربية عانت ويلات الاستعمار الأجنبي لعشرات السنين؟ ثم كيف أصبحت فرنسا بقدرة قادر “شقيقة” ليبيا: هل هي شقيقتها‮ ‬بالرضاعة‮ ‬أم‮ ‬بالفطرة‮ ‬أم‮ ‬بالولاء‮ ‬والطاعة‮!‬

سواء كانت “شقيقة” بالنسبة لهؤلاء، أو “صديقة” بالنسبة لأولئك، فإنها مازالت بالنسبة للجزائريين “عدوة”، لأنها مازالت تنظر إلى الجزائر كـ”مستعمرة قديمة”، ومازالت ثروات الجزائر تـُسيل لعابها، ومازالت بعد 50 سنة عن الاستقلال، الذي تحقق بالحديد والنار، ترفض الاعتراف‮ ‬والاعتذار‮ ‬عن‮ ‬جرائم‮ ‬الاستعمار‮!‬

هل لأن فرنسا كانت جزءا من قوات (الناتو)، وساهمت في ما يسمى “تحرير” الأشقاء الليبيين من العقيد معمّر القذافي، تستحق أن تحمل اسم “الشقيقة”؟ وهل “الشقيقة” بإمكانها أن تستعمر في زمن معيّن “شقيقتها” أو تصادق احتلالا آخر من دولة أوروبية؟

أليس ذلك إساءة للبطل عمر المختار، الذي قاوم الاحتلال الإيطالي، واستشهد وعلى لسانه عبارة: نحن لا نستسلم، ننتصر أو نستشهد، فأيّ فرق بين الاحتلال الإيطالي والاحتلال الفرنسي؟ وهل يُمكن لإيطاليا أن تكون “شقيقة” لليبيا حتى يصدق نفس الوصف على فرنسا التي احتلت الجزائر‮ ‬132‮ ‬سنة؟

مصيبة الأشقاء أنهم لم يعودوا أشقاء، وفي كثير من الأحيان تحوّلوا إلى أعداء، ومصيبة الأشقاء الحقيقيين والأصليين والذين خرجوا من بطن واحدة، أنهم خانوا بعضهم البعض وأساؤوا لبعضهم البعض، وتآمروا على بعضهم البعض ومارسوا الوشاية الكاذبة مع بعضهم البعض، فلا حول ولا‮ ‬قوّة‮ ‬إلاّ‮ ‬بالله‮ ‬العليّ‮ ‬العظيم‮!‬

لا يُمكن للدم أن يتحوّل إلى ماء، مثلما لا يُمكن للعدوّ أن يصبح “شقيقا” هكذا ببساطة ولأسباب متعلقة بمصلحة عابرة أو “ألم مشترك”، ولعلّ الرسائل التي بدأت تفكّ شفراتها الدول الغربية التي رعت ودعّمت “الربيع العربي”، أوصلها إلى نتيجة مفادها أن هذا “الربيع” تحوّل‮ ‬إلى‮ “‬سيروكو‮” ‬يهبّ‮ ‬على‮ ‬مضاجعها،‮ ‬وهو‮ ‬ما‮ ‬يؤكد‮ ‬أن‮ ‬السحر‮ ‬انقلب‮ ‬على‮ ‬الساحر‮!‬

الشقيق هو من يتقاسم معك الآلام والأحلام دون أيّ حساب وبلا عتاب، والشقيق هو من يسبّل نفسه بدلك، وهو من يختار الإيثار حين تحتاج إلى وقفته وسنده، وهو من يسترك حين يستلزم الستر، وهو من يُنقذك من “الطاعون” دون أن ينشر “الكوليرا”!

لكن أن يتحوّل “الشقيق” إلى ناشر الفتنة والخراب وراعي النهب تحت طاولة “محاربة الديكتاتورية”، فهذا ما لم يقرؤه لا السابقون ولا اللاحقون في القواميس، ولا في حكايات كليلة ودمنة، والأكيد أن القذافي مثلا، كان “صديقا حميما” لفرنسا وقد موّل حملة رئيسها أنذاك نيكولا‮ ‬ساركوزي،‮ ‬قبل‮ ‬أن‮ ‬تنقلب‮ ‬عليه،‮ ‬فهل‮ ‬لهذه‮ ‬الأسباب‮ ‬فرنسا‮ “‬شقيقة‮”.. ‬فعلا‮ ‬لا‮ ‬صديق‮ ‬دائم‮ ‬ولا‮ ‬عدو‮ ‬دائم،‮ ‬هناك‮ ‬مصلحة‮ ‬دائمة؟

 

مقالات ذات صلة