فرنسا.. المونديال والطائرة
تأكد يقينا بأن الجزائر رقم مهم في المعادلة السياسية الفرنسية، ولكن الجانب الفرنسي لا يريد لهذا الرقم سوى أن يكون صفريا مدوّرا، سواء بالنسبة لليمين أم اليسار المتصارعين على الحكم في فرنسا، كما حصل في هذه الصائفة التي بدأت بكأس العالم، عندما لعب اليمين واحدة من أكبر مبارياته لأجل بلوغ قصر الإليزيه على حساب جزائريين، كان ذنبهم الوحيد أنهم فرحوا بانتصارات منتخبهم الكروي، كما فعل كل سكان الأرض، وانتهاء بحادثة سقوط طائرة حيث تحوّل الرئيس فرانسوا هولند إلى خبير علب سوداء، وحفار قبور لجثامين كل ضحايا الطائرة المنكوبة.
لو كان تعامل فرنسا مع كل أمصار العالم بنفس الطريقة، لقلنا بأن الأمر عادي، وأن البلد “الكبير” يريد الحفاظ على وقاره بين بقية الأمم، ولكن الأمر صار مقتصرا على الجزائر فقط، فقد احتفل قرابة نصف مليون برتغالي يعيشون في فرنسا بتأهل منتخب بلادهم في الخريف الماضي لكأس العالم، ولا أحد من اليمين المتطرف علّق على هذه الاحتفالات، بل واحتفل السنغاليون في قلب باريس بفوز منتخب بلادهم على فرنسا في كأس العالم عام 2002 ولا أحد أشار إليهم بالبنان، وتؤكد التحقيقات البوليسية الفرنسية بأن جميع الذين أحرقوا السيارات في احتفالات تأهل المنتخب الجزائري للدور الثاني في كأس العالم في مدينة غرونوبل غير جزائريين، ولا أحد يعتذر، أو على الأقل يتوقف عن ضخ هذه الشحنات من العنصرية تجاه جزائريي فرنسا. وهلك فرنسيون في حوادث طائرات سابقة في المملكة العربية السعودية واليابان والولايات المتحدة الأمريكية ولم نسمع عن “تعنتر” فرنسي، كما حدث في الطائرة المنكوبة التي هوت في مالي، حتى صار يقينا أن فرنسا تريد أن تكون أسدا علينا فقط، من قصة كأس العالم إلى طائرة الخطوط الجوية، وفي الحروب الحقيقية مع مختلف الأمم نعامة كما هو حادث في قطاع غزة، حيث تبدو فرنسا قائدة العدوان الثلاثي على مصر عام 1956 كالأطرش في الزفة الصهيونية.
قد تكون قوة فرنسا من ضعف الجزائر، أو على الأقل من صمتها المتراكم على مدار عقود، وضعفها من قوة بقية الأمم التي لا تجرؤ على مجاراتها سياسيا واقتصاديا، فيبدو ما يحدث من منطق الأشياء، ولكن وجب التنبيه والتحذير، إلى أن هذا “التعنتر” المبالغ فيه إلى درجة التهوّر، سواء في ليبيا أم مالي هو الذي جعل حدود الجزائر ملتهبة، فقد اعترف منذ بضعة أشهر مسؤول فرنسي كبير للوكالة الفرنسية الشهيرة فرانس بريس بأن الحكومة الفرنسية وعددا من الشركات تدفع الفدية للمنظمات الإرهابية من دون أي حرج، لأجل الإفراج عن رهائنها، وهو ما شجع على قيام ما يشبه دولة الإرهاب وتنامت براميل النار على الحدود الجزائرية الشاسعة من لييبا إلى مالي. وتأتي بعد كل هذا لتقول بأن سعادة الجزائريين في انتصارات المونديال أزمة بالنسبة إلفرنسا، وحزنهم أيضا في سقوط الطائرة أزمة بالنسبة إلى فرنسا، وواضح في الحالتين أن وجود الجزائر في حد ذاته أزمة بالنسبة إلى فرنسا!