فرنسا ترفض التعليق على ما يجري في الجزائر.. منذ متى؟
يطبع الموقف الرسمي الفرنسي مما تعيشه الجزائر هذه الأيام حذر شديد.. إذ كلما ورد ذكر اسم فرنسا بهذا الخصوص، سارعت إلى التبرؤ منه، في مشهد لم يكن معهودا على هذه الدولة التي اعتادت الخوض في كل صغيرة وكبيرة، تخص مستعمرتها السابقة.
آخر “خرجة” من هذا القبيل، جسدها بيان صادر عن السفارة الفرنسية في الجزائر، والتي سارعت إلى نفي برقية صادرة عن وكالة الأنباء الجزائرية، خاضت في تصريح نسب لوزير أوروبا والشؤون الخارجية الفرنسي، جون إيف ودريان، يتحدث فيه عن موقف بلاده من الانتخابات الرئاسية في الجزائر، تزعم قوله: “فرنسا تأمل أن تجري الانتخابات الرئاسية في الجزائر في ظروف حسنة”.
السفارة الفرنسية عممت بيانا ردت من خلاله على برقية وكالة الأنباء الجزائرية، جاء فيه: “توحي (البرقية) بأن تصريحات وزير أوروبا والشؤون الخارجية، السيد جان إيف لودريان، هي تصريحات جديدة، غير أنها في الحقيقة تعود إلى تاريخ السادس من مارس الماضي، وعبر عنها خلال جلسة مساءلة شفهية للحكومة في البرلمان”.
بيان السفارة وإن بدا حذرا، إلا أنه حمل رسالة لا تخفى عن أحد، عندما عقبت على برقية وكالة الأنباء: “هذه التصريحات لا تعكس البتة الموقف الفرنسي في التاريخ الحالي”، موقف بقي مفتوحا على كل التأويلات.
وقبل نحو أسبوعين صدر موقف مشابه من السفارة الفرنسية، وذلك في أعقاب نشر موقع “مغرب أنتلجنس” مقالا زعم فيه أن السلطات الفرنسية طلبت من نظيرتها الجزائرية، توضيحات بشأن سجن رجل الأعمال ومالك مجمع “سيفيتال”، يسعد ربراب، بتهم تتعلق بالفساد والتهرب الضريبي والتصريح الكاذب.
السفارة سارعت يومها إلى نفي ما وصفتها “الادعاءات التي يروج لها الموقع الإخباري maghreb intelligence والتي مفادها أن سفارة فرنسا في الجزائر قد اتصلت بوزارة الشؤون الخارجية قصد طلب معلومات حول الملف القضائي لرجل الأعمال يسعد ربراب”.
وشددت الممثلية الدبلوماسية للمستعمرة السابقة: “تذكر سفارة فرنسا في الجزائر مجددا أن فرنسا تحترم سيادة الجزائر وسيادة شعبها الصديق، وأنها لا تتدخل في الشؤون الداخلية للبلد وليست لها أي نية في ذلك”.
ما جاء في هذين البيانين يؤكد أن السلطات الفرنسية سواء في قصر الإيليزي (الرئاسة)، أو الكيدورسي (وزارة الخارجية)، لم تعد تتعاطى مع الشأن الداخلي للجزائر، كما كانت في عهد الرئيس السابق، عبد العزيز بوتفليقة وحتى في تسعينيات القرن الماضي، عندما كان ما يعرف ب”الضباط الجانفيين”، ماسكين بزمام الحكم، بل أصبحت تدرس كل ما تنوي القيام به ألف مرة قبل أن تقدم عليه.
وتدرك باريس أن الماسك بزمام الأمور في البلاد هذه الأيام، ليس كمن سبقه، فهو لا يعرف المداهنة، كما لا يقبل أي شكل من أشكال التدخل في الشأن الداخلي للبلاد، ولو تعلق الأمر بالتصريحات، وهو التشدد الذي أعقب استباحة الأجواء الجزائرية من قبل الطائرات الحربية الفرنسية، التي كانت تضرب الجارة والشقيقة مالي، بقرار من الرئيس السابق، لم يكن معهودا في تاريخ البلاد منذ استقلالها.
وكان نائب وزير الدفاع، رئيس أركان الجيش الوطني الشعبي، الفريق أحمد قايد صالح، قد هاجم فرنسا وإن لم يسمها بالاسم في الخطاب الذي كشف فيه عن المؤامرة التي كانت تحيكها “رؤوس العصابة”، ممثلة في الاجتماعات السرية التي كانت تجرى خلف الجدران، بهدف عرقلة جهود المؤسسة العسكرية في البحث عن حلول للأزمة التي تعيشها البلاد، وهو الاتهام الذي ثبّتته اعترافات كل من الرئيس الأسبق، اليامين زروال، الذي أكد أن مدير دائرة الاستعلامات والأمن السابق، الفريق محمد مدين المدعو توفيق، عرض عليه تولي قيادة البلاد لمرحلة انتقالية بتوجيهات من السعيد بوتفليقة، شقيق الرئيس ومستشارة الخاص، المحبوسين في السجن العسكري بالبليدة، وكذا وزير الدفاع الأسبق، اللواء المتقاعد خالد نزار، الذي اعترف بدوره بأن شقيق الرئيس كان يخطط لمواجهة المتظاهرين بعد فرض حالة الطوارئ، وإقالة قائد الأركان.