فرنسا تكتفي بسفيرها لتمثيلها في جنازة بن بلة
فوضّت الخارجية الفرنسية، على غير العادة سفيرها بالجزائر، كسافيي دريانكور، تمثيل حكومة بلاده في تشييع جثمان أول رئيس للجمهورية الجزائرية المستقلة، أحمد بن بلة، الذي وافته المنية الأربعاء ووري الثرى أمس بمربع الشهداء بمقبرة العالية بالعاصمة.
التمثيل الفرنسي كشف عنه الناطق باسم “الكيدورسي”، برنار فاليرو، الذي قال في ندوة صحفية عقدها أول أمس الخميس: “بناء على دعوة السلطات الجزائرية، فإن السفير كسافيي دريانكور هو من سيمثل فرنسا في جنازة أول رئيس لجمهورية الجزائر المستقلة”، في موقف يكشف برودة العلاقات بين باريس والجزائر.
واللاّفت أن الحكومة الفرنسية وبالرغم من مرور أزيد من 48 ساعة عن وفاة الراحل بن بلة، إلا أنها لم تصدر بيانا أو ترسل إشارة لنظيرتها الجزائرية، تعزيها في وفاة رمز من رموزها، في قرار يفتقد تماما للأعراف الدبلوماسية وحتى للأخلاق السياسية، إن كان للسياسة أخلاق، بل إن الناطق باسم وزارة الخارجية برنار فاليرو، عندما سئل عن سر صمت مصالح “الكيدورسي” وقصر “ماتينيون” ومعهم قصر الإيليزي، عجز حتى عن بلورة إجابة يرد بها على الصحفي صاحب السؤال وفضل الاختفاء وراء الصمت.
وخلافا للموقف الرسمي، سارع مترشح الحزب الاشتراكي للانتخابات الرئاسية الفرنسية، فرانسوا هولاند، الخميس، إلى تعزية الجزائريين في وفاة أحد “رموز” تاريخ الجزائر وفرنسا، وقال في بيان أورده الإعلام الفرنسي: “سيبقى بن بلة بالنسبة للفرنسيين والجزائريين، أحد رموز مرحلة تاريخية حاسمة لبلدينا”، متمنيا أن “يتمكن الشعبان الجزائري والفرنسي من دخول عهد جديد في مجال التعاون”.
ويعتبر تكليف سفير دولة ما بحضور جنازة مسؤول بحجم رئيس في دولة ما، أدنى درجات التمثيل الدبلوماسي، بحسب مصدر دبلوماسي فضّل عدم الكشف عن هويته، وهو ما يكشف أن السلطات الفرنسية، وبالرغم من مرور خمسين سنة عن الاستقلال، لم تتخلص بعد من عقدة ضياع حلم “الجزائر الفرنسية”، سيما إذا علمنا أن الرئيس الأسبق أحمد بن بلة، يعتبر واحدا من الرجالات الذين ساهموا في هزم فرنسا وطرد جيوشها من الجزائر.
إحجام السلطات الفرنسية عن ايفاد ممثل عنها لتعزية الجزائريين، يطرح أكثر من تساؤل حول طبيعة العلاقة بين البلدين، والتي يبدو أنها عادت إلى نقطة البداية، جراء التصريحات الاستفزازية لمشاعر الجزائريين، من طرف المسؤولين الفرنسيين وفي مقدمتهم مرشح اليمين نيكولا ساركوزي، الذي كان قد اتهم الجزائر بارتكاب جرائم على غرار تلك التي ارتكبها الجيش الاستعماري، في موقف سعى من خلاله إلى إرضاء المتطرفين من الأقدام السوداء والحركى طمعا في أصواتهم، ولو كان ذلك على حساب العلاقات التاريخية بين البلدين والشعبين.
سفير جزائري سابق بدولة أوروبية، لم يهضم الموقف الفرنسي ووصفه بـ “غير الشجاع سياسيا، وغير المقبول أخلاقيا”، وقدّر هذا الدبلوماسي بأن الأمر له علاقة بالانتخابات الرئاسية الفرنسية التي يبدأ دورها الأول في نهاية الشهر الجاري.
ويرى المصدر الذي فضل التحفظ عن ذكر اسمه، أن عجز الرئيس المترشح نيكولا ساركوزي عن إصدار بيان تعزية إلى غاية مساء الجمعة، وعدم تنقل مرشح اليسار فرنسوا هولاند لحضور الجنازة، يكشف حرص الساسة الفرنسيين على تفادي الدخول إلى مستنقع الجزائر، في وقت تعرف فرنسا حملة انتخابية شرسة من أجل الوصول إلى قصر الإيليزي.