الرأي

فرنسا.. حان وقت الحساب

حسين لقرع
  • 12841
  • 0

منذ أن صدر قانون تمجيد الاستعمار الفرنسي في 23 فبراير 2005، ونحن ننتظر ردّا جزائريا قويا يكون في مستوى ذلك القانون الجائر والوقح، الذي يمجّد الاحتلال، ويتحدّث في مادته الرابعة عن “دوره الإيجابي” المزعوم في المستعمرات وراء البحار وخاصة في شمال إفريقيا، متناسيا كلّ ما ارتكبه من جرائم ضدّ الإنسانية ومجازر مهولة وتنكيل واسع بالجزائريين وسلبهم أخصب أراضيهم وتفقيرهم وتجهيلهم وإذلالهم واستعبادهم…
لكنّ انتظارنا طال قرابة واحد وعشرين سنة بسبب تماطل الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة وأركان حكمه في قبول مقترحات القوانين العديدة التي تقدّم بها نواب من الغرفة الأولى للبرلمان لتجريم الاستعمار الفرنسي، وقدّم أحد المسؤولين آنذاك عذرا أقبح من ذنب لتجاهل هذا المقترح القانوني وقال إنّ التصديق عليه “سيتسبّب في تدهور العلاقات الجزائرية- الفرنسية”، وكأنّ فرنسا كانت حريصة على هذه العلاقات حينما قدّمت مشروع قانون تمجيد الاستعمار إلى جمعيتها الوطنية وصادق عليه نوابها، بكلّ صفاقة ووقاحة، في 23 فبراير 2005!
ومن حسن الحظ أنّ الوضع تغيّر اليوم، وقدّمت أحسن المقترحات القانونية المتعلقة بتجريم الاستعمار الفرنسي إلى الغرفة الأولى للبرلمان لمناقشتها وإثرائها والتصديق عليها في الأيام القليلة المقبلة، وهو أمر كنّا قد طالبنا به مرارا طيلة العشرين سنة الماضية، آخرها منذ أزيد من سنة؛ إذ طالبنا برفع التجميد عن مقترح قانون تجريم الاستعمار ومناقشته والتصديق عليه، ردّا على تعامل المسؤولين الفرنسيين معنا بعجرفة واستعلاء خلال أزمة الكاتب بوعلام صنصال، وقلنا إنّه نوع من العقاب المناسب لفرنسا، كما اقترحنا تعزيزه بعقابين آخرين، وهما دحرجة تعليم اللغة الفرنسية من السنة الثالثة ابتدائي إلى الأولى متوسط، لفسح المجال للتلاميذ لدراسة الإنجليزية وحدها في الابتدائي للتمكُّن منها من دون أن تزاحمها الفرنسية وتشوِش أذهانهم في مثل هذه السنّ المبكّرة، وكذا رفع التجميد عن قانون تعميم استعمال اللغة العربية، وتعميمها في الإدارات والهيئات والمؤسسات العمومية والخاصة والمحيط العام على حساب الفرنسية التي لا تزال تحتلّ فضاءات عمومية واسعة إلى حدّ الساعة، وهذا لا يليق ببلد استرجع سيادته منذ 63 سنة كاملة.
واليوم وقد بعثت أفضل نسخة من مقترحات تجريم الاستعمار وقُدّمت لنواب المجلس الشعبي الوطني لمناقشتها يومي 20 و21 ديسمبر، نشعر بارتياح كبير؛ فقد انتهى زمن التردّد الطويل والمبالغة في الحذر بلا مبرّر، وحان الوقت للانتقال من المطالبات الشّفوية المتكرّرة بلا طائل، إلى إجراءات ملموسة تفتح المجال لمسارات قانونية وسياسية عملية تهدف إلى انتزاع اعتراف فرنسي رسمي بجرائم فرنسا الاستعمارية في الجزائر طيلة 132 سنة من الاحتلال، والاعتذار عنها بلا تماطل أو لبس، وتقديم تعويضات مناسبة عنها، مع ربط تحسين العلاقات مع فرنسا مستقبلا بمدى التقدّم في استجابتها لثلاثية الاعتراف والاعتذار والتعويض.
هذه هي الندّية التي طالما نادينا بها منذ 20 سنة كاملة، لكنّ حسابات سياسية عقيمة هي التي أخّرتها طيلة هذه المدّة حتى داهمنا اليأس، اليوم يبدو أنّ الوضع بدأ يختلف ويبعث على الأمل والتفاؤل بإمكانية تحقيق المزيد… اليوم يناقش مقترح قانون تجريم الاستعمار بعد تجميد طويل غير مبرّر، وغدا قد يبعث مشروع قانون تعميم اللغة العربية بثوب جديد وصيغة أخرى تراعي تطوّرات المرحلة وتضع آجالا جديدة لتعميمها في شتى الإدارات والهيئات والمؤسسات العمومية والخاصة والمحيط العام، وإذا لم تكن صيغة العقوبات المالية للمخالفين ناجعة أو ستثير قلاقل وحساسيات، فلا بأس أن نستبدل العقوبات بحوافز مالية مغرية للموظفين الذين سيحرصون على التعامل باللغة العربية في وثائقهم ومراسلاتهم، وسيكثر بعدها من يقوم بهذه المهمّة ويسير بها تدريجيا نحو النجاح في تعميم العربية في عقر دارها والقضاء على اللغة الفرنسية في الوثائق الرسمية.
المهمّ الآن أنّ القطار انطلق، والبداية ببعث مقترح قانون تجريم الاستعمار، والعاقبة لبعث قانون تعميم استعمال اللغة العربية، أو حتى إعادة صياغته مجدّدا لمواكبة تطوّرات المرحلة… يكفي أن تتوفّر الإرادة السياسية وكلّ شيء سيتغيّر إلى الأحسن بصيغة أو بأخرى.

مقالات ذات صلة