فرنسا حين تُحاكِم الجزائر لأنها طالبت بالعدالة
ليس جديدا على فرنسا الرسمية، ولا على جزء معتبر من إعلامها وسياساتها، أن ترتبك كلما قررت الجزائر أن ترفع رأسها قليلا وتتحدث بلغة السيادة بدل لغة الاستجداء.
الجديد هذه المرة هو حجم الهستيريا السياسية والإعلامية التي رافقت إعلان الجزائر نيَّتها تجريم الاستعمار قانونيًّا، والمطالبة الصريحة باعتذار رسمي وتعويض عادل عن قرن وثلث قرن من الاحتلال. وكأن مجرد النطق بكلمة “عدالة” بات في القاموس الفرنسي تهمة، وكأن الضحية حين تطالب بحقها تتحول فجأة إلى جلاد، بينما الجلادُ الحقيقي يُمنح حق المرافعة الأخلاقية باسم قيم يدّعي احتكارها.
منذ أيّام، تتعرض الجزائر لحملة منظمة ومنهجية، يقودها إعلام اليمين المتطرف الفرنسي، وتواكبها أصوات سياسية فقدت توازنها الأخلاقي، تقدّم فيها الجزائر كدولة “تبتز الذاكرة” و”تستثمر في الماضي” و”تؤجج الكراهية”، فقط لأنها قررت أن تقول ما لم تستطع فرنسا قوله لنفسها منذ1962 : الاستعمار جريمة، والجريمة لا تسقط بالتقادم، والاعتراف من دون محاسبة ليس سوى مناورة لغوية.
الخطير في هذا الهجوم ليس حدّته، فالجزائر اعتادت العدوان الخطابي، بل في كونه يكشف مرة أخرى أن فرنسا، أو على الأقل جزءا وازنا من نخبها السياسية والإعلامية، لم تغادر الجزائر ذهنيا، وما زالت تتصرف وكأنها وصيّ على ذاكرتها، وكأن لها حق تحديد ما يجوز للجزائريين أن يتذكروه، وما ينبغي لهم نسيانه، ومتى يطالبون، وكيف، وبأي سقف؟ هذا هو جوهر العقل الاستعماري الذي لم يفكّك بعد، والذي يظهر كلما طالبت الجزائر بمعاملة ندّية لا تبعية فيها.
إن الإعلام الفرنسي المتطرِّف لا يهاجم الجزائر لأن مشروع القانون غير دقيق، ولا لأنه يفتقر إلى الأسس التاريخية، بل لأنه يهدد سردية مريحة بُنيت بعناية: سردية فرنسا التي “أخطأت أحيانًا” لكنها “حضّرت” و”علّمت” و”أنارت”… سردية تُبقي الجريمة في مستوى الأخلاق العامة، لا في خانة المسؤولية القانونية. والجزائر، بإصرارها على تسمية الأشياء بأسمائها، تكسر هذا التوازن الزائف.
إن الذين يهاجمون الجزائر اليوم، من منصات إعلامية معروفة بعدائها التاريخي، ومن سياسيين يتغذّون انتخابيا على كراهية المهاجر والذاكرة الاستعمارية، يتجاهلون حقيقة بسيطة: الجزائر لم تخلق جريمة الاستعمار، بل ورثت آثارها. لم تختر أن تغزى عام 1830، ولم تختر أن تُباد قراها، ولا أن تصادر أراضيها، ولا أن تجرّب على رمالها القنابل النووية. كل ما تفعله اليوم هو تحويل الألم التاريخي إلى نص قانوني، وتحويل الذاكرة من خطاب أخلاقي هش إلى حق سيادي قابل للمساءلة.
منذ الرابع عشر من جوان 1830، دخلت الجزائر مرحلة طويلة من العنف المنهجي. لم تكن “رسالة حضارية”، بل غزوا عسكريا مكتمل الأركان، أعقبه تدمير للبنى الاجتماعية، ونهب للأراضي، وقمع دموي لكل أشكال المقاومة. ولم يكن ذلك العنف عابرا أو استثنائيا، بل سياسة دولة.
ومن أبشع تجليات هذا المسار الإجرامي ما عرفته مدينة لقواط في الثاني والثالث من ديسمبر 1852، حين تعرّضت لقصف مكثف، واستعملت فيها الغازات الخانقة داخل فضاءات مغلقة، ما أدى إلى إبادة جزء كبير من سكانها المدنيين. إن جريمة لقواط ليست حادثة هامشية في تاريخ الاحتلال، بل نموذجٌ مكثف لمنطق استعماري قائم على الإبادة من أجل الإخضاع، وعلى تحويل السكان الأصليين إلى مادة قابلة للفناء. ولا يزال هذا الحدث، إلى اليوم، غائبا أو مهمّشا في الذاكرة الرسمية الفرنسية، وكأن بعض الجرائم لا تستحق أن تروى.
هذا المنطق لم يتوقف عند القرن التاسع عشر، بل استمر بأشكال أخرى في القرن العشرين، عبر التجارب النووية الفرنسية في الصحراء الجزائرية بين 1960 و1966، إذ استبيحت الأرض والإنسان باسم “التقدم العلمي” و”القوة الإستراتيجية”. من لقواط إلى رقان وعين إيكر، خيط واحد يربط الأحداث: حياة جزائرية اعتُبرت قابلة للتضحية.
حين يناقش البرلمان الجزائري اليوم مشروع قانون يجرّم الاستعمار، فهو لا يعيد كتابة التاريخ، بل يضعه في إطاره القانوني الطبيعي. وحين يطالب باعتذار وتعويض، لا يمارس ابتزازا سياسيا، بل يستند إلى منطق العدالة ذاته الذي تحتكم إليه فرنسا حين يتعلق الأمر بضحاياها هي. فكيف يصبح التعويض مشروعا حين تكون الضحية فرنسية، ومرفوضًا حين تكون جزائرية؟ وكيف تتحول الذاكرة إلى واجب أخلاقي في أوروبا، وإلى “توظيف سياسي” في الجنوب؟
إن الإعلام الفرنسي المتطرّف لا يهاجم الجزائر لأن مشروع القانون غير دقيق، ولا لأنه يفتقر إلى الأسس التاريخية، بل لأنه يهدد سردية مريحة بنيت بعناية: سردية فرنسا التي “أخطأت أحيانًا” لكنها “حضّرت” و”علّمت” و”أنارت”… سردية تبقي الجريمة في مستوى الأخلاق العامة، لا في خانة المسؤولية القانونية. والجزائر، بإصرارها على تسمية الأشياء بأسمائها، تكسر هذا التوازن الزائف.
ولا يمكن فصل هذه الحملة عن السياق السياسي الداخلي الفرنسي؛ فكلما ضاقت الساحة، واشتدت المنافسة داخل اليمين واليمين المتطرف، عادت الجزائر لتؤدي دور “الفزاعة” الجاهزة. تُستحضر ذاكرتها لتخويف الناخب، ويُستعمل تاريخها لتلميع خطاب متطرف، وتُختزل دولة كاملة في معادلة تبسيطية: الجزائر = مشكلة. وهذا في حد ذاته امتداد رمزي للاستعمار، لأن الاستعمار لم يكن احتلال أرض فقط، بل تشويه صورة، ونزع إنسانية، وتحويل شعب بأكمله إلى موضوع إشكالي دائم.
الجزائر اليوم لا تطلب المستحيل. لا تطلب محاكمات استعادية، ولا ثأرًا، ولا إذلالًا رمزيًّا. تطلب ما تطلبه كل الأمم التي احترمت نفسها: اعترافًا رسميًّا واضحًا، غير ملتبس، وتعويضًا يتناسب مع حجم الضرر، وطيّ صفحة الماضي على أساس العدالة لا النسيان القسري. الفرق بين النسيان والمصالحة هو العدالة، وفرنسا ترفض هذا الفارق لأنها تعرف ثمنه.
إن الذين يسخرون من فكرة التعويض يتناسون أن فرنسا بنت جزءًا معتبرًا من ثروتها الصناعية والزراعية على حساب المستعمرات، وأن الجزائر كانت لعقود خزّانًا بشريًّا واقتصاديًّا استُنزف بلا مقابل. التعويض ليس صدقة، بل إعادة توازن تاريخي، حتى وإن جاء متأخرًا.
والأكثر مفارقة أن فرنسا، التي تطالب العالم باحترام القانون الدولي وبالاعتراف بالجرائم وبجبر الضرر، ترفض تطبيق هذه المبادئ حين تكون هي في موقع المتهم. هذا الكيل بمكيالين هو ما يُفقد الخطاب الفرنسي مصداقيته، لا القانون الجزائري.
إن الجزائر، وهي تُستهدَف اليوم بهذه الحملة الشرسة، ينبغي أن لا تتراجع ولا أن تبرِّر ولا أن تشرح أكثر مما يلزم، فالمسألة لم تعد مسألة إقناع فرنسا، بل مسألة احترام الذات. والتاريخ علّم الجزائريين أن الحقوق التي لا تُنتزع لا تُمنح.
سيواصل إعلام اليمين المتطرف الفرنسي الهجوم، وسيواصل بعض السياسيين الاستثمار في الكراهية، وسيُقال الكثير عن “التصعيد” و”التوتر” و”القطيعة”. لكن الحقيقة أبسط وأوضح: ما يحدث اليوم هو صدام بين منطقين، منطق يريد طيّ الصفحة دون قراءتها، ومنطق يرفض الإغلاق دون عدالة.
الجزائر اختارت الطريق الأصعب، لكنها الطريق الصحيح. لأن الأمم لا تُقاس بقدرتها على النسيان، بل بقدرتها على تحويل الألم إلى حقّ، والذاكرة إلى سيادة، والعدالة إلى أساس للعلاقات الدولية.
والتاريخ، في النهاية، لا يُهادن أحدًا.