-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

فرنسا حين تُقايِض الإنسانية: وعظٌ بلا ضمير، وقيمٌ بلا معيار!!

لعلى بشطولة
  • 456
  • 0
فرنسا حين تُقايِض الإنسانية: وعظٌ بلا ضمير، وقيمٌ بلا معيار!!

تحبّ فرنسا أن تُقدّم نفسها بوصفها المرجع الأخلاقي للعالم. تتحدّث بثقة عن حقوق الإنسان، وتستدعي إرث الثورة، وتُلوّح بشعار الكونيّة كلّ ما أرادت أن تُدين أو تُصنّف أو تُعطي دروسًا للآخرين. لغة أنيقة، نبرة واثقة، وصورة مُحكمة لبلدٍ يرى نفسه “ضمير أوروبا”. غير أنّ هذه الصورة، حين تُختبر بالوقائع، تتصدّع. لا لأنّ القيم خطأ، بل لأنّ تطبيقها انتقائي. ولأنّ الإنسانية، في الخطاب الفرنسي الراهن، تُدار بالحساب لا بالمبدأ.

حين تقترب الكاميرا من غزة، تختفي الفصاحة. تُستبدل الكلمات الثقيلة بأخرى مُخفّفة، ويحلّ “التعقيد” محلّ الحقيقة، وتُستدعى “دعوات ضبط النفس” حيث كان ينبغي تسمية الجريمة. إبادة تُبثّ على الهواء، مدنيون يُسحقون، مستشفيات تُقصف، وحصار يتحوّل إلى سياسة. ومع ذلك، تتردّد فرنسا في النطق بالكلمة. ليس لغياب الأدلة، بل لثقل التحالف. هنا، تصبح الجمهورية حذِرة من لغتها أكثر مما هي حذِرة من الدم.

لكن ما إن يتعلّق الأمر بإيران حتى تعود الحماسة الأخلاقية بكامل عدّتها. الصوت يرتفع، التقارير تُستعرض، لغة الإدانة تُشحذ. لا أحد يدّعي عصمة دولة، ولا أحد يطلب الصمت عن أي انتهاك. السؤال الوحيد هو: لماذا هذه الصرامة هنا، وهذا الصمت هناك؟ لماذا تُصبح الإنسانية صارمة مع الخصوم، مرنة مع الحلفاء، وخجولة أمام المذابح التي لا تخدم السردية الغربية؟

في هذا المشهد، تُطلّ الجزائر كمرآة تُربك باريس. ليس لأنها تطلب امتيازًا، بل لأنها ترفض الإهانة. قبل أيام، بثّت قناة الخدمة العمومية الفرنسية France 2 مادة قُدّمت كـ“تحقيق”، بينما تلقّتها الجزائر رسميًا بوصفها حملة إساءة واستفزاز. الردّ الجزائري كان واضحًا ومدروسًا: استدعاء القائم بالأعمال، توصيف المحتوى بأنه “نسيج من الأكاذيب”، والتأكيد على حقيقة بديهية تتجاهلها باريس حين تشاء: الإعلام العمومي مسؤولية دولة، لا هوى محرّر. حين تكون الشاشة عمومية، فالكلام سياسة قبل أن يكون مهنة.

دهشة باريس بدت مصطنعة. كيف تُحاسَب فرنسا على ما يُبثّ باسمها؟ وكيف تُواجَه بذات المعيار الذي تُطالب به الآخرين؟ فجأة، تُستدعى “حرية الصحافة” كدرع، لا كمبدأ. حرية تظهر بعد الفعل لا قبله؛ تُستعمل لتبرير الإساءة حين يكون المستهدف دولة ذات سيادة، وتُقيَّد حين يكون النقد موجّهًا إلى حليف محميّ. هكذا تُدار الحرية… انتقائيًا.

تتردّد في الأوساط عبارة “persona non grata”. باريس تُمسك بالصياغات وتلعب على الكلمات: لا إعلان رسمي، إذن لا مشكلة. وكأنّ العلاقات بين الدول تُقاس فقط بنشر بيان، لا بتراكم الاستفزازات، ولا بالمناخ العام، ولا باستخدام الشاشة العمومية أداة ضغط ناعمة. هنا، تتجلّى مفارقة فرنسية أخرى: تُطالب الآخرين بالهدوء، وتستغرب حين يُقابَل الاستفزاز بردّ سيادي.

وفي الخلفية، يقف ملف كوبا شاهدًا لا يشيخ. ستة عقود من حصار وعقوبات تُقدَّم باسم الحرية والديمقراطية. والنتيجة؟ شعب يُعاقَب في غذائه ودوائه وكهربائه وكرامته اليومية. أيّ إنسانية هذه التي تبدأ بالتجويع؟ وأيّ ديمقراطية تُقاس بمدى الطاعة لا بمدى احترام السيادة؟ هنا، لا نحتاج خطبًا إضافية، بل شجاعة للاعتراف بأنّ العقاب الجماعي فشل أخلاقي.

تتّضح الصورة أكثر: غزة تُترك تحت الركام بلغة باردة، إيران تُدان بحماسة مُنتقاة، الجزائر تُستفز عبر شاشة عمومية ثم يُطلب منها الصمت، وكوبا تُنسى تحت عنوان “الملف المزمن”. إنها القاعدة نفسها بأقنعة مختلفة: قيم تُجزَّأ، ضحايا يُصنَّفون، وأخلاق تُدار بالتحالف. وعندما تُشرِّع فرنسا قوانين تُقدَّم بوصفها “أخلاقية” —كالتشديد في مكافحة معاداة السامية، وهو هدف مشروع في جوهره—يبدأ الخطر حين تُستعمل هذه القوانين لتبريد النقاش السياسي وتجريم التضامن، ومساواة النقد المشروع بسياسات دولة بعينها بجريمة أخلاقية. هنا، تتحوّل الديمقراطية من فضاء نقاش إلى نظام ترخيص.

المفارقة القاسية أنّ فرنسا، كلما كثّفت الوعظ، قلّ وزن خطابها. لأنّ الواعظ الذي لا يملك معيارًا واحدًا يفقد مصداقيته، مهما كانت لغته جميلة. القيم لا تُقاس بعدد القوانين ولا بطول الخطب، بل بقدرة الدولة على قول “لا” حين يخطئ الحليف، وعلى تسمية الجريمة حين تكون الكلفة سياسية. ومن دون ذلك، تتحوّل الإنسانية إلى علامة تجارية.

أما النصيحة الأقصر والأوضح، فتخصّ إيران: لتبتعد فرنسا قليلًا. لا لأنّ النقد محرّم، بل لأنّ الوعظ بلا مرآة لا يُصلح. إيران دولة عريقة، ذات مؤسسات وتناقضات داخلية، قادرة على إدارة شؤونها دون “إنسانية مُصنّعة” تُمنح لمن يُطيع وتُسحب ممن يرفض الاصطفاف. من لا يملك الشجاعة لتسمية الجريمة في غزة، لا يملك حق احتكار الحديث عن الإنسانية في طهران.

الجزائر، حين ترفع صوتها، لا تبحث عن صدام ولا تُغذّي أزمة. هي تقول ببساطة: لسنا مادة للتشهير، ولسنا ساحة لتفريغ العقد، ولسنا صفحة تُستعمل في الإعلام العمومي ثم تُطوى بذريعة الحرية. تريد علاقة ندّية، لا وعظًا من طرف واحد. احترام سيادة، لا تحقيقات مُفخّخة. ذاكرة حاضرة، لا نسيان انتقائي.

الخلاصة قاسية وبسيطة: الإنسانية التي تُقايَض ليست إنسانية. والقيم التي تُجزَّأ تتحوّل، عاجلًا أم آجلًا، إلى أدوات. فرنسا تستطيع أن تواصل الحديث عن القيم، لكن زمن الدروس المجانية انتهى. العالم يرى، والذاكرة تُسجّل، والازدواجية لم تعد خطأً أخلاقيًا فحسب، بل سياسة مكشوفة. ومن لا يحتمل معيارًا واحدًا، لا يحقّ له ادّعاء الكونيّة.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!