-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

فرنسا والتخلّف الكبير في المجال الرقمي

بقلم: عثمان عبد اللوش
  • 2490
  • 0
فرنسا والتخلّف الكبير في المجال الرقمي

كوارث كثيرة ومتعدّدة تنزل اليوم على فرنسا وفي ميادين متعدّدة.. ومن بين هذه المصائب المعقدة والتي تبين مدى ضعف فرنسا وتأخرها في عالم العلوم والتكنولوجيا الحديثة، وتخلّفها تحديدا في المجتمع الرقمي، وهوّة كبيرة في الرقمنة بين فرنسا والولايات المتحدة الأمريكية والصين وروسيا، هذه الدول الثلاث تقدّمت بخطوات عملاقة في عالم الرقمنة، في حين مازالت فرنسا تعيش التخلف.

شركة كهرباء فرنسا EDF، وهي من بين المؤسسات العمومية القليلة في فرنسا التي مازالت تابعة للدولة ولم يجري بعد بيعها للخواص، أصبحت اليوم تعاني، بل أكثر من ذلك، فهي صورة واضحة عن مدى ارتباط الاقتصاد الفرنسي بالولايات المتحدة الأمريكية، وكيف أصبحت فرنسا محتلة من طرف الإمبريالية الأمريكية منذ وفاة الجنرال دوغول، أو لنقل منذ وصول نيكولا ساركوزي إلى رئاسة فرنسا في 2007، والسياسات التي اتّبعها كل من ساركوزي وفرانسوا هولاند وأخيرا إيمانويل ماكرون. وهؤلاء الرؤساء الثلاثة يلقبون بـ”رؤساء الأغنياء”، لأنهم عملوا على مدى عشريتين على الدفاع عن الطبقة الغنية وليس الدفاع عن الشعب الفرنسي.

وتعاني فرنسا تخلّفا كبيرا في عالم التكنولوجيات الحديثة، مثل المعلوماتية، إذ لم تستطيع الدخول في هذا العالم، فإلى حد اليوم لا توجد مؤسسة فرنسية واحدة تنشط في صناعة الحواسيب أو الهواتف الذكية، وكل المحاولات في تطوير هذا القطاع باءت بالفشل، والسبب يعود لغياب البنى التحتية في المجال الرقمي.

فرنسا اليوم تعاني في مجال المعلوماتية، والأنترنت وشبكة التواصل الاجتماعي، فهي في الحقيقة مثل بقية دول العالم الثالث في المجال الرقمي، مازالت تابعة للولايات المتحدة الأمريكية. وخير مثال على ذلك، شركة كهرباء فرنسا EDF المشهورة، التي وقعت اليوم في خيار سيء؛ فجيف بيزوس Jeff Bezos مالك شركة “أمازون” العالمية، لا يريد التوقيع مع شركة كهرباء فرنسا. ومع ذلك، كانت هذه الشركة تستعد لتوقيع شراكة ضخمة بقيمة 860 مليون يورو مع “أمازون واب سرفيسز”، وهي الشركة الأولى في العالم لاستضافة البيانات الرقمية.

والسبب، لضمان الأرشفة الرقمية لملايين القطع اللازمة لتشغيل 56 مفاعلا نوويا لشركة كهرباء فرنسا، والتي سيضاف إليها قريبا المفاعل النووي الجديد في مدينة فلامانفيل، والتي جرى توصيله أخيرا بالشبكة بعد سبعة عشر عاما من العمل.

هذه المفاعلات النووية الـ56، أغلبها قديمة ويحتاج إلى صيانة دائمة، بل هناك عدد من هذه المفاعلات لا يعمل تماما، ولهذا السبب، لم تستطيع شركة كهرباء فرنسا من إنشاء برنامج خاص لأرشفة الرقمية لتسيير عمليات الصيانة، واستعانت بمؤسسة “أمازون”.

تعاني فرنسا تخلّفا كبيرا في عالم التكنولوجيات الحديثة، مثل المعلوماتية، إذ لم تستطع الدخول في هذا العالم، فإلى حد اليوم لا توجد مؤسسة فرنسية واحدة تنشط في صناعة الحواسيب أو الهواتف الذكية، وكل المحاولات في تطوير هذا القطاع باءت بالفشل، والسبب يعود لغياب البنى التحتية في المجال الرقمي.

وفقا للوك ريمو، الذي جعل الثورة الرقمية أولويته من خلال توليه زمام المبادرة في سبتمبر 2022، إذ أكد عن وجود مشروع تجريبي مع “أمازون واب سرفيسز”، التابع لشركة “أمازون”، وتعدّ “أمازون” الشركة الوحيدة القادرة على ضمان التخطيط التنبؤي للمفاعلات الـ56 الفرنسية بشكل فعّال. وهذا بفضل الذكاء الاصطناعي الذي استثمرت فيه شركة “أمازون” بشكل كبير.

وشركة “أمازون”، لا يقتصر عملها فقط على توزيع أكثر من 5 مليارات من الطرود سنويا، بل يمكن أن تساعد شركة خدمات تكنولوجيا المعلومات عن بُعد والتي تحمل اسم “أمازون واب سرفيسز”، وتجاوزت إيراداتها في عام 2023  مائة مليار دولار.

وشركة كهرباء فرنسا، كانت في أمسّ الحاجة إلى هذه الخدمة التي توفرها شركة أمازون، لفرز آلاف المضخات والصنابير والبراغم  والأنابيب والصمامات والمسامير. وقبل كل شيء، لبرمجة بدائل للأجزاء البالية أو المعيبة في المفاعلات النووية.

لقد أطلقت التجربة قبل عشرة أشهر من الآن، وانتهت في سبتمبر الماضي. بعد شهر، أصدر خبراء شركة كهرباء فرنسا حكمهم: “رائع! قال المهندس المختص في النووي: «الخدمات التي تقدّمها شركة “أمازون واب سرفيسز” وفّرت لنا الكثير من المال. في كل مرة كانت قطعة مفقودة في مفاعل نووي معيّن، كنا  نضيّع وقتا مجنونا بين الطلب وجدولة العمال لإصلاح ذلك العطب”.

لكن المناورة السرية جعلت الحسّاد يسمعون صوتهم أيضا. والواقع أن المخابرات الفرنسية ترى أنّه من غير الحكمة إعلام الأمريكيين بالبيانات النووية للمفاعلات لشركة كهرباء فرنسا وجميع مقاوليها. لذلك، طلبت الدولة الفرنسية، من «مشغلي المؤسسة الحيوية» والتي تسمى شركة كهرباء فرنسا الاحتفاظ ببياناتهم على الأراضي الفرنسية، وبأن تظل بيانات شركة كهرباء فرنسا التي جمعتها شركة “أمازون واب سرفيسز”، على الخوادم الفرنسية.

لقد رفضت شركة “أمازون” الأمريكية الامتثال لمطالب شركة كهرباء فرنسا والمخابرات الفرنسية حول هذه «السحابة السيادية الفرنسية» بحجّة أنها ستجعل العقد مع شركة كهرباء فرنسا أقل إثارة لشركة “أمازون”… هذه الحجة صدمت مسؤولا كبيرا متخصّصا في قضايا المخابرات في فرنسا، لأنها باختصار تبيّن مدى تخلّف فرنسا في الرقمنة، ومدى غياب المخابرات الفرنسية عن دورها في حماية أمن فرنسا العلمي والتكنولوجي، ولم تستفق المخابرات الفرنسية إلا عندما “وقع الفأس في الرأس”، كما يقال عندنا.

كما ترفض “أمازون” ببساطة كتابة وثيقة مكتوب عليها حرفيّا، عدم تقديم بيانات عملائها الفرنسيين إلى أجهزة المخابرات الأمريكية أو وزارة العدل.

وقد تمكّن الألمان من إظهار أنفسهم أكثر تفهّما مع شركة “أمازون” الأمريكية. حرصا على عدم رؤية أجزاء كاملة من صناعة السيارات تنهار، إذ وافقت برلين على أن تصبح القاعدة الخلفية لخدمات “أمازون” في أوروبا من دون المطالبة بأي شيء؛ ففي شهر ماي الماضي، وعدت شركة “أمازون” لجيف بيزوس باستثمار 7.8 مليار يورو في ألمانيا لتركيب سحابة للشركات في القارة العجوز أوروبا. كما أنه في جوان  الماضي، أعلنت “أمازون” عن استثمار ثان بقيمة 10 مليارات دولار بحلول عام 2026.

ولدى شركة كهرباء فرنسا خطة ثانية تعرف بخطة “ب” إذ ستكون مسألة إسناد هذا العمل إلى مؤسسة “تاليس”. فقد ألقت “تاليس” وهي مجموعة الإلكترونيات والدفاع عملية إصدار الشهادات بحيث تمنح الحكومة الفرنسية لمجتمعها S3NS علامة الجودة تحت اسم “ساكنيم كلاود” SecNumCloud.

سيكون لهذه السحابة الجديدة في الصيف المقبل، طابع «السحابة الموثوق بها»، وهو الاسم الجديد للسحابة السيادية. يقول أحد الخبراء أن هذا المشروع الجديد لشركة كهرباء فرنسا سيستغرق ثمانية عشر شهرا في الأفق. إذا كان هذا هو الثمن الذي يجب دفعه للاحتفاظ بما يشبه السيادة، فلم لا؟ باستثناء أن شركة “تاليس” نفسها مرتبطة بشركة “غوغل”. وقد يصدق على شركة كهرباء فرنسا المثل الإفريقي الذي يقول: “هرب التمساح من قطرات المطر ليختبئ في النهر، ففرنسا ومعها كل أوروبا عبارة عن مستعمرة أمريكية، مثلما قلت في مقالة سابقة”.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!