الرأي

فرنسيون أحرار

روي أن الشيخ الشهيد العربي التبسي (1895 -1957) – رحمه الله وأكرم مثواه – قال في ملإ من الجزائريين، وعبرهم إلى جميع الجزائريين والجزائريات: “من عاش فليعش بعداوة فرنسا، ومن مات فليحمل معه هذه العداوة إلى القبر”.

إننا لا نرتاب مثقال حبة من خرذل، أو أقل من ذلك، في أن كل جزائري أصيل النسبة إلى الجزائر، صحيح الوطنية يحمل الشعور نفسه، ويؤمن إيمانا لا شية فيه بهذه المقولة، لا لعنصرية فينا، ولكن لما فعلته فرنسا في وطننا، ولما جرعته لآبائنا وأجدادنا من صاب وصبر.. وإننا لنؤكد – مع اعترافنا بعيوبنا وتقصيرنا – أن ما نعانيه اليوم على جميع الأصعدة، وفي جميع الميادين، وإلى غدنا المنظور، هو من آثار الوجود الفرنسي الملعون في الجزائر..

وإننا نؤمن أن أكثر الفرنسيين هم على دين دولتهم في ممارستها الظلم والعدوان، والاستعلاء الكاذب على الشعوب، والإدعاء الزائف بأن فرنسا هي موطن المبادئ الإنسانية والقيم السامية.. وقد انخدع لها، وصدق دعواها كثير من الناس، خاصة من لم يبتل منهم بحكمها، ومنهم الشاعر المصري الشهير أحمد شوقي، الذي قال في قصيدته التي سماها “نكبة دمشق”: 

وحررت الشعوب على قناها    

فكيف على قناها تسترق؟

ولو أنصف شوقي، رحمه الله، لأضاف: 

(وللفرنسيين) وإن ألانوا    

قلوب كالحجارة لا ترق 

بدلا من قوله: 

وللمستعمرين وإن ألا وا   

قلوب كالحجارة لا ترق 

يستثنى من هذا الحكم على فرنسا وعلى أكثر الفرنسيين ثلة من الفرنسيين قبضوا قبضة من الكرامة البشرية، وكانت فيهم بقية من القيم الإنسانية، فرأوا جرائم دولتهم في الجزائر، وشعروا بما يشعر به كل ذي ضمير حي، فنددوا بما ارتكبته دولتهم، وشنعوا عليها، وتحيزوا إلى الحق والعدل، ووقفوا مع الشعب الجزائري ومناضليه ضد الظلم والاستعباد، وأدوا ما استطاعوا تأديته، ولم يكونوا من منافقي المبادئ السامية مثل مواطنهم ألبير كامو، الذي لم يخجل من “ذبح” قيمة إنسانية، عندما قال ما معناه: “أحب العدالة وأحب أمي، وحبي لأمي أكثر”.. ولو كان على شيء لقال مثل ما قال معلم الإنسانية الخير، سيدنا محمد – عليه الصلاة والسلام – “انصر أخاك ظالما أو مظلوما”، فلما استفسره الصحب الكرام عن نصرة الظالم، قال: “تمنعه عن الظلم”، أو كما قال. 

لقد اهتم الأستاذ سعدي بزيان ببعض الفرنسيين الشرفاء فكتب عنهم عددا من المقالات نوه فيها بمواقفهم الإنسانية، ولم يكونوا عميا صما بكما، فرأوا بأعينهم ما اقترفته دولتهم “المتحضرة” من جرائم، وسمعوا بآذانهم صرخات الأطفال والشيوخ والنساء في الجزائر، فلم ينذروا للشيطان صوما، فصدعوا بكلمة الحق، فاستحقوا التقدير والاحترام.. وقد جمع الأستاذ سعدي بزيان تلك المقالات القيمة في كتاب سماه “فرنسيون أحرار في ثورة أول نوفمبر 1954″، وقد تكرم الأستاذ الفاضل فأهدى إلي نسخة من كتابه هذا، فشكر له في الأولى والثانية. 

وإذا كان بعض الفرنسيين الأحرار قد “كفّروا” عن بعض جرائم دولتهم وبني جلدتهم، فإن الأستاذ سعدي بزيان قد كفّر عن بعض تقصيرنا نحو أولئك الأحرار، خاصة أولئك الذين عملوا منا مع هؤلاء الفرنسيين، وكانوا شهودا على ما قدموه من خدمات للثورة وللمناضلين الجزائريين، وكتمان الشهادة في ديننا الحنيف هو نوع من الإثم، مصداقا لقول الحق سبحانه وتعالى: “ولا تكتموا الشهادة، ومن يكتمها فإنه آثم قلبه”. 

وعلى النقيض من هؤلاء الفرنسيين الأحرار، الذين أحبوا وطنهم، ودافعوا عنه بدفاعهم عن مثل الحرية، والعدالة، وكرامة الإنسان، فإن بعض “الجزائريين” كانوا الأَمَ على وطنهم، وأشأم على قومهم، وأخون لدينهم بانحيازهم إلى فرنسا الظالمة في قمعها لبني جلدتهم، وتدميرها لوطنهم، وإهانتها لدينهم، وهم الآن يتجرعون خياناتهم بما يشعرون به من احتقار الفرنسيين لهم، حتى إن أحد الفرنسيين سماهم “الحلفاء الحقيرين”، ولَحقارة الآخرة وهوانها وعذابها أشد وأنكى، ولا ندري ما الله – عز وجل – فاعل فيهم، هل يغفر لهم خطيئتهم، أم يكبهم على وجوههم في سقر جزاء خيانتهم؟ وقد أخبرنا رسول الله – عليه الصلاة والسلام – أن “القتل في سبيل الله يكفر الذنوب كلها، إلا الخيانة”، نعوذ بالله منها، ومن الخائنين، بالأمس، واليوم وإلى يوم الدين. 

ليس في المُكنة سرد أسماء من ذكرهم الأستاذ بزيان في كتابه، وليس في المُكنة ذكر جميع ما قاموا به مساندة للشعب الجزائري على خوف من فرنسا وعيونها وزبانيتها، ويمكن تلخيص أعمالهم في الكتابة عن القضية الجزائرية العادلة، وكشف أعمال فرنسا الإجرامية، وفي إيواء المناضلين الجزائريين وتسهيل تنقلاتهم بين المدن والأحياء الفرنسية، والدول الأوربية، وفي نقل أموال الثورة التي كانت تجمع من العمال الجزائريين في فرنسا.. 

وأكتفي بذكر واحد من هؤلاء الفرنسيين الأحرار، وهو فرانسيس جانسون (1922 – 2009)، مؤسس ما عرف باسم “شبكة فرانسيس جانسون”، ومن أعضائها زوجته المسماة كوليت، لأنه “أصبح علما بالغلبة بالنسبة لأعضاء شبكته” (ص 92). 

وقد ألّف الزوجان كتابا عن القضية الجزائرية في سنة 1955، سمياه “الجزائر الخارجة عن القانون”، كشفا فيه حقيقة فرنسا والفرنسيين “تجمهروا أو تدكتروا”، يدل على ذلك موقف الناشر الفرنسي الذي رفض إصدار طبعة ثانية للكتاب، رغم نفاد طبعته الأولى (11500) نسخة في زمن قصير.. ويدل على ذلك موقف بعض الفرنسيين الذين كانوا “يراءون الناس” بادعاء المثل العليا والمبادئ الإنسانية من حرية، وعدل، وكرامة، وهم ينفذون سياسة فرنسا الطاغية ويخدمونها من غير إكراه لهم أو ضغط عليهم، ومن أبرزهم ذلك “العالم” الذي ضل عن “علم”، فخان الضمير العلمي، وخدع كثيرا من الناس بضلالاته عن الحلّاج. 

وإذا كان الجزائريون – مناضلون ومثقفون – قد استقبلوا الكتاب باهتمام كبير وأشادوا بصاحبيه – فرانسيس وزوجه – فإن ميصالي الحاج – الذي ظن نفسه “ديكا” لا تشرق الشمس إلا بسبب صياحه، وضيّع “المجد” الذي صنعه بإخبال أمر الثورة، وأسس “ضرة” لها، وهي الـ (M.N.A)، قد اعتبر الكاتبين وأمثالهما من الفرنسيين الأحرار “من كتاب الرداءة المشتاقين للشهرة” (ص 16). 

وإن تعجب فاعجب لبعض “المثقفين الجزائريين”، الذين يشيدون بفرنسيين لا يستحقون الإشادة، ويحمدونهم بما لم يفعلوا للجزائر كالبير كامي، الذي أقاموا له عدة ملتقيات، ولكنهم عن جانسون وأمثاله عمون. 

وأحب أن أنبه إلى أن هؤلاء الفرنسيين الذين وقفوا مع الشعب الجزائري، وساندوه في ثورته الإنسانية ضد بلدهم فرنسا، إنما كانوا في الوقت نفسه “يبيضون” جزءا من تاريخ فرنسا الأكثر سوادا من القَطِران. 

فشكرا لكل حر استجاب لـ”نداء الضمير”، وساند الحق والعدل والكرامة البشرية، مهما يكن ناشدوها.. ورحم الله شهداءنا الأبرار، ومجاهدينا الأحرار الذين فعلوا في فرنسا ما لم تفعله ألمانيا النازية بكل ما أوتيت من قوة، إذ أسقطوا الجمهورية الرابعة، وأسقطوا سبع حكومات فرنسية، وأرغموا “أنف” دوغول على الخضوع للحق، ونسخ جميع الأكاذيب الفرنسية حول الجزائر. 

مقالات ذات صلة