رياضة
تألقه ضد فرق كبيرة شكل صفعة حقيقية للاستعمار الفرنسي

فريق جبهة التحرير‮.. ‬الجهاد في‮ ‬ميادين الكرة

صالح سعودي
  • 8379
  • 0

كلما حلت ذكرى الفاتح نوفمبر المجيدة على الجزائريين،‮ ‬إلا وأوقفتهم عجلة تاريخ الثورة التحريرية بشموخها،‮ ‬ومضمون ذاكرتها التي‮ ‬لم تمح سجلاتها التي‮ ‬دونت أحداثا عظيمة تبقى دربا للأجيال الصاعدة،‮ ‬خصوصا أن صناعة الثورة التحريرية ساهم الجميع في‮ ‬نجاحها،‮ ‬بدءا بالشعب البسيط والرعيل الأول الذي‮ ‬خطط لها،‮ ‬ومجاهدي‮ ‬السلاح الذين فضلوا مواجهة الاستعمار بمنطق الرصاص،‮ ‬مرورا بمجاهدي‮ ‬القلم وكرة القدم الذين سايروا العمليات الفدائية والمعارك الضارية التي‮ ‬قادها جيش التحرير‮.‬

وإذا كان للسياسيين دور بارز في‮ ‬تسيير أمور الجبهة من النواحي‮ ‬الإدارية واللوجيستيكية وصولا إلى مرحلة المفاوضات الحاسمة،‮ ‬فإن الكثير لا‮ ‬ينسى الجهود الفعالة لأبطال آخرين قاموا بدور دبلوماسي‮ ‬لا‮ ‬يقل قيمة عن جهود حاملي‮ ‬البندقية والقلم،‮ ‬ونعني‮ ‬بذلك فريق جبهة التحرير الوطني‮ ‬لكرة القدم الذي‮ ‬كان بمثابة أول بذرة زرعت في‮ ‬حقل الألوان الوطنية لتنضج ثمارها،‮ ‬وتقدم قربانا لثورة التحرير المباركة‮.‬

هكذا منعت جبهة التحرير الفرق الجزائرية مواجهة الأندية الفرنسية

يؤكد الكثير من المتتبعين على الارتباط الكبير بين كرة القدم والثورة التحريرية،‮ ‬بدليل أن كل المباريات التي‮ ‬كانت تجرى بين الفرق المسلمة والأخرى الفرنسية كانت في‮ ‬حقيقتها صراعات سياسية،‮ ‬وكل فوز محقق من طرف الفرق المسلمة كان إبرازا للشخصية الجزائرية وتحقيق نوع من الانتصارات المعنوية الذي‮ ‬تمهد لنزع الحرية بالقوة،‮ ‬وكانت الأسرة الرياضية الجزائرية كثيرا ما تفاجئ المستعمرين بظهورها فوق الحلبة والملاعب والقاعات بالألوان الوطنية مثلما حدث في‮ ‬عدة ولايات جزائرية‮. ‬وفي‮ ‬العام‮ ‬1956‮ ‬أصدرت جبهة التحرير الوطني‮ ‬قرارا‮ ‬يمنع كل الفرق المسلمة المشاركة في‮ ‬مختلف البطولات والمنافسات،‮ ‬وهذا هو أكبر دليل على الهدف السياسي‮ ‬للرياضة الجزائرية،‮ ‬وقد لبى الجميع النداء،‮ ‬في‮ ‬الوقت الذي‮ ‬مالت الإستراتيجية بعد ذلك إلى تأسيس منتخب‮ ‬يجمع بين المحليين والمحترفين حتى‮ ‬يكون أفضل سفير لرفع راية الثورة الجزائرية في‮ ‬المحافل الدولية‮.‬

عميروش وبورقيبة حضرا أول مباراة وبومزراڤ صاحب فكرة التأسيس

ويعود تأسيس فريق جبهة التحرير الوطني‮ ‬إلى تاريخ‮ ‬13‭ ‬أفريل‮ ‬1958،‮ ‬في‮ ‬إطار مساعي‮ ‬تفعيل رسالة الجهاد الثوري‮ ‬والدبلوماسي‮ ‬ضد المستعمر الفرنسي،‮ ‬حيث كان أول ظهور لفريق جبهة التحرير الوطني‮ ‬في‮ ‬الأراضي‮ ‬التونسية خلال الدورة الكروية الاحتفالية التي‮ ‬نظمها النادي‮ ‬الإفريقي‮ ‬التونسي‮ ‬بمناسبة اليوم العالمي‮ ‬للشغل‮ ‬1‮ ‬ماي‮ ‬1957،‮ ‬وكان أول لقاء للجزائريين ضد نادي‮ ‬فاس المغربي‮ ‬المدعم بنجمه العربي‮ ‬بن بارك،‮ ‬وقد حضر اللقاء النهائي‮ ‬لهذه الدورة الشهيد العقيد عميروش والرئيس التونسي‮ ‬الحبيب بورقيبة الذي‮ ‬أمر برفع العلم الجزائري‮ ‬إلى جانب راية المغرب وتونس وليبيا،‮ ‬وتعتبر هذه المشاركة بمثابة الانطلاقة الحقيقية لمشوار كبير وهام ميزه‮ ‬32‮ ‬جولة بعدة دول أوروبية وإفريقية وشرق أوسطية وآسيا في‮ ‬الفترة ما بين‮ ‬1958‮ ‬و1962‮. ‬ويعد السيد محمد بومزراڤ صاحب فكرة تأسيس الفريق،‮ ‬لتتبلور بمرور الوقت وتصبح مكسبا مهما منح متنفسا جديدا للثورة التحريرية في‮ ‬المحافل الكروية الدولية والإقليمية،

زيتوني‮ ‬ومخلوفي‮ ‬وكرمالي‮.. ‬تخلوا عن الاحتراف ولبوا نداء الجهاد

تشكل تعداد فريق جبهة التحرير من عناصر بارزة رفضت عروضا مغرية من أندية فرنسية،‮ ‬على‮ ‬غرار زيتوني‮ ‬ومخلوفي‮ ‬وكرمالي‮ ‬وغيرهم،‮ ‬حيث فضل جميع اللاعبين رفع راية الجهاد تحت لواء فريق جبهة التحرير الوطني‮ ‬لكرة القدم،‮ ‬حيث تولى حراسة المرمى كل من بوبكر وعلي‮ ‬دودو وعبد الرحمان إبرير،‮ ‬وفي‮ ‬الدفاع نجد كل من مصطفى زيتوني‮ ‬وقدور بخلوفي‮ ‬ومحمد سوكان وشريف بوشاش واسماعين إبرير وعبد الله ستاتي،‮ ‬ويتشكل وسط الميدان من مختار عريبي‮ ‬وسعيد حداد وعلي‮ ‬بن فضة ومحمد بومزراڤ وحسن بورطال وعمار رواي‮ ‬وحسن شبري،‮ ‬فيما لعب في‮ ‬الهجوم عبد الحميد كرمالي‮ ‬وعبد العزيز بن تيفور وعبد الحميد بوشوك ورشيد مخلوفي‮ ‬وسعيد براهيمي‮ ‬ومحمد معوش وأحمد وجاني‮ ‬وأمقران واليكان وعبد الرحمان سوكان وعبد العزيز معزوز ومحمد بوريشة وعبد الكريم كروم وحسين بوشاش وسعيد عمارة وعبد الحميد زوبا‮. ‬وخلفت هذه الخطوة ضربات موجعة للشرطة الفرنسية التي‮ ‬لم تتمكن من اكتشاف مسألة مغادرة عديد النجوم الكروية الجزائرية للتراب الفرنسي،‮ ‬وشكلت انتصارا لجبهة التحرير في‮ ‬فرنسا،‮ ‬خاصة وأن عديد اللاعبين‮ ‬يعدون من أبرز الأسماء الناشطة في‮ ‬البطولة الفرنسية،‮ ‬وكان بعضهم مؤهلا للعب مع المنتخب الفرنسي‮ ‬المتأهل إلى كأس العالم بالسويد‮ ‬1958،‮ ‬وفي‮ ‬مقدمة ذلك اللاعب مصطفى زيتوني‮.‬

تألق تشكيلة‮ “‬الأفلان‮” ‬شكّل صفعة حقيقية للاستعمار الفرنسي

وخاض فريق جبهة التحرير الوطني‮ ‬نحو‮ ‬62‮ ‬مقابلة ما بين‮ ‬1958‮ ‬و1962‮ ‬حقق فيها‮ ‬47‮ ‬فوزا و11‮ ‬تعادلا ومني‮ ‬بـ‮ ‬4‮ ‬هزائم فقط،‮ ‬وسجل الخط الهجومي‮ ‬246‮ ‬هدف فيما تلقى الدفاع‮ ‬66‮ ‬هدفا،‮ ‬وقد لعب رفاق الهداف مخلوفي‮ (‬42‮ ‬هدفا‮) ‬مقابلات هامة ضد منتخبات معروفة مثل الاتحاد السوفيتي‮ (‬4‮ ‬مقابلات‮) ‬ويوغسلافيا‮ (‬5‭ ‬مقابلات‮) ‬وتشيكوسلوفاكيا‮ (‬4‮ ‬مقابلات‮) ‬ورومانيا‮ (‬4‮ ‬مقابلات‮) ‬والمجر‮ (‬4‮ ‬مقابلات‮) ‬وبلغاريا‮ (‬6‭ ‬مقابلات‮) ‬والصين‮ (‬5‮ ‬مقابلات‮) ‬والفيتنام‮ (‬4‮ ‬مقابلات‮) ‬والمغرب‮ (‬7‮ ‬مقابلات‮) ‬وتونس‮ (‬4‮ ‬مقابلات‮) ‬وليبيا‮ (‬مقابلتان‮) ‬والعراق‮ (‬6‮ ‬مقابلات‮) ‬والأردن‮ (‬3‮ ‬مقابلات‮)‬،‮ ‬حيث تمكن من الفوز بنتائج عريضة في‮ ‬عدة مباريات على‮ ‬غرار ما حدث أمام‮ ‬يوغسلافيا‮ ‬‭(‬6-1‭) ‬والمجر‮ (‬5‮-‬2‮) ‬وتشيكوسلوفاكيا‮ (‬4‮-‬1‮) ‬والصين‮ (‬4‮-‬0‮) ‬وتونس‮ (‬9‮-‬0‮) ‬والأردن‮ (‬11‮-‬0‮) ‬والعراق‮ (‬11‮-‬0‮) ‬والفيتنام‮ (‬11‮-‬0‮)‬،‮ ‬وقد انهزم زملاء مخلوفي‮ ‬أمام بلغاريا‮ (‬4‮-‬3‮) ‬ويوغوسلافيا‮ (‬2‮-‬0‮) ‬وتشكيلة روستوف من الاتحاد السوفيتي‮ (‬2‮-‬1‮)‬،‮ ‬وشكلت هذه العملية صفعة حقيقية للاستعمار الفرنسي‮ ‬الذي‮ ‬حاول بشتى الطرق والوسائل عرقلة مهمة الفريق،‮ ‬حيث طلب من‮ “‬الفيفا‮” ‬معاقبة البلدان التي‮ ‬تستقبل فريق‮ “‬الأفلان‮” ‬وتسليط عقوبات صارمة قد تصل إلى حد الطرد من الهيئة الدولية‮.‬

نجوم الجبهة كانوا من أفضل إطارات الكرة بعد الاستقلال

ولم تقتصر مهمة عناصر فريق جبهة التحرير الوطني‮ ‬على البروز في‮ ‬الفترة ما بين‮ ‬1958‮ ‬و1962‮ ‬في‮ ‬إطار التعريف بمغزى وهدف الثورة التحريرية،‮ ‬حيث واصلوا التحدي‮ ‬بعد الاستقلال بعد ما تحول أغلبهم إلى إطارات لها ثقلها في‮ ‬المنظومة الكروية من خلال اتصالهم الدائم بالميدان الرياضي‮ ‬وإشرافهم على أندية ومنتخبات حققوا معها نتائج مميزة،‮ ‬بدليل إحراز مخلوفي‮ ‬على ميداليتين ذهبيتين منتصف السبعينيات،‮ ‬الأولى في‮ ‬الألعاب المتوسطية أمام المنتخب الفرنسي‮ ‬وأخرى في‮ ‬إطار الألعاب الإفريقية،‮ ‬وكان كرمالي‮ ‬وراء التتويج الوحيد للمنتخب الوطني‮ ‬بلقب كأس أمم إفريقيا عام‮ ‬1990‭ ‬والكأس الآفرو آسيوية في‮ ‬العام الموالي‮ ‬أمام إيران،‮ ‬وتألق عبد الحميد زوبا ومختار عريبي‮ ‬اللذان تحصلا على كأس إفريقيا للأندية البطلة،‮ ‬الأول عام‮ ‬1976‭ ‬مع مولودية الجزائر،‮ ‬والثاني‮ ‬مع وفاق سطيف عام‮ ‬1988،‮ ‬وتمكن مختار لعريبي‮ ‬بعد الاستقلال‮ (‬عام‮ ‬1963‮)‬‭ ‬من انتزاع أول كأس جمهورية،‮ ‬وجعل من وفاق سطيف اختصاصي‮ ‬في‮ ‬منافسة السيدة الكأس،‮ ‬حيث أضاف إلى سجل نسور الهضاب كأسين أخريين عامي‮ ‬68‮ ‬و1980،‮ ‬وكان وراء انتزاع لقبي‮ ‬البطولة‮ (‬68‮ ‬و1987‮)‬،‮ ‬وكأس إفريقيا للأندية البطلة في‮ ‬ديسمبر‮ ‬1988،‮ ‬كما خاض عريبي‮ ‬عدة تجارب مهمة خارج الوطن كمدرب،‮ ‬بإشرافه على النادي‮ ‬الصفاقسي‮ ‬التونسي‮ ‬موسم‮ ‬64‮ – ‬65‭ ‬ومنتخب ليبيا نهاية الستينيات‮. ‬إضافة إلى وصول رواي‮ ‬إلى الدور النهائي‮ ‬لذات المنافسة عام‮ ‬1989‮ ‬حين كان على رأس مولودية وهران،‮ ‬إضافة إلى مساهمة معوش في‮ ‬تأهيل المنتخب الوطني‮ ‬لأول مرة إلى نهائيات كأس العالم،‮ ‬وتجربة زوبا،‮ ‬لموي،‮ ‬عريبي‮ ‬وغيرهم في‮ ‬مجال التدريب خارج الوطن‮.‬

مقالات ذات صلة