القائد رياض محرز يعتزل اللعب دوليا
لم تكن الخسارة أمام المنتخب السويسري بهدفين نظيفين في ملعب “بي سي بلايس” بفانكوفر مجرد خروج مرير للمنتخب الوطني الجزائري من الدور ثمن النهائي لمونديال 2026، بل كانت، في عمقها، إسدالاً للستار على الحقبة الأكثر لمعاناً في تاريخ كرة القدم الجزائرية الحديثة. بإعلان القائد رياض محرز اعتزاله اللعب دولياً عقب اللقاء، تنتهي رسمياً حكاية “الساحر” الذي غيّر بمراوغاته وتمريراته ملامح “الخضر” على مدار اثني عشر عاماً.
بدأت القصة في ربيع 2014، عندما وثق فيه البوسني وحيد حاليلوزيتش واستدعاه لمونديال البرازيل وهو لاعب مغمور في “ليستر سيتي”. منذ تلك اللحظة، لم يكن محرز مجرد لاعب يرتدي قميص الجزائر، بل تحول تدريجياً إلى ملهم لجيل كامل. بـ119 مباراة دولية، و40 هدفاً، و44 تمريرة حاسمة، لم يترك محرز خلفه مجرد أرقام جافة، بل ترك إرثاً كروياً نادراً استند إلى المهارة العالية والشخصية القيادية داخل المستطيل الأخضر.
يبقى صيف 2019 في مصر الذروة التي لا تُنسى في مسيرته الدولية؛ هناك حيث قاد “محاربي الصحراء” للتربع على عرش القارة الإفريقية بعد عقود من الغياب. ولا يمكن لأي جزائري أن يمحو من ذاكرته تلك الركلة الحرة التاريخية في مرمى نيجيريا عند الدقيقة الـ95، التي اختزلت كل عبقرية هذا اللاعب وهدوئه الأسطوري في الأوقات القاتلة.
في كندا، جاء الختام هادئاً، وبكلمات واقعية تعكس نضج القائد الذي لم يشأ أن يغادر دون تقديم كشف حساب صادق للجماهير. اعترف بالأخطاء الدفاعية التي كلفت الخروج، لكنه ذكّر الجميع بأن تجاوز الدور الأول كان خطوة إيجابية لجيل يمر بمرحلة تجديد.
اعتزال محرز في سن الخامسة والثلاثين، وبعد مشوار حافل مرصع بالذهب الإفريقي والتألق العالمي، يضع الكرة الجزائرية أمام حتمية مواجهة الواقع: كيف ستعيش “الخضر” دون يساريته الساحرة؟ إن غياب رقم “7” عن التشكيلة الوطنية لن يكون مجرد فراغ تكتيكي على الجهة اليمنى، بل هو غياب للثقة التي كان يمنحها للمجموعة بمجرد وجوده.
يطوي محرز صفحته الدولية، لتنطلق مرحلة جديدة للمنتخب الوطني، لكن التاريخ سيسجل طويلاً أن الفتى الذي أتى من ضواحي باريس صامتاً، يغادر اليوم فانكوفر كأحد أعظم الأساطير الذين أنجبتهم الكرة الجزائرية والعربية على الإطلاق. شكراً رياض، رفعت الراية عالياً، وتركت إرثاً لن يمحوه الزمن.