فساد لا يستحي!
الأخبار التي تشير إلى عملية اقتحام لمجلس قضاء العاصمة وسرقة بعض الملفات الهامة هناك، ناهيك عن هروب الوزير السابق شكيب خليل من مطار وهران رغم وجود قرار بتوقيفه واستدعائه من طرف القضاء، هي أخبار تُؤسّس لمناخ جديد، تتفوق فيه المافيا على الدولة، بل وتطيح بها بالضربة القاضية، كما أنها تؤكد الشكوك الواسعة حول عدم جدّية الكثير من الأطراف في محاربة الفساد الذي تحوّل إلى غول كبير لا تقدر عليه العدالة ولا الأجهزة المختصة الأخرى!
قبل أيام احتفلت النساء الجزائريات بالحايك، وسِرن في شوارع العاصمة للتأكيد على عراقة هذا اللباس التقليدي المعروف، لكننا نخشى أن الفساد بات يمشي على رجليه دون حايك، والمفسدون في الأرض باتوا يمرحون، ويدخلون ويخرجون من القاعات الشرفية للمطارات دون حايك، وجماعات النصب والاحتيال والاختلاس والرشوة، تمارس هوايتها في تخريب الاقتصاد وملء الجيوب المنتفخة أصلا، والسطو على خبز المساكين والزوالية دون حايك!
لم تعد هنالك أدنى درجات الخجل من انتشار الفساد والمفسدين في البلاد، لا بل إننا نخشى وصول زمن يفتخر فيه الواحد بحصوله على حقه من هذه الدولة المستباحة سواء بالاختلاس أو الرشوة أو الاحتيال، وقد كان لزاما على لصوص الأمس أن يلوموا لصوص اليوم على سرعة اكتسابهم الحرفة والتي باتت متاحة لكل من هبّ ودب، فخزائن الدولة دون حارس ولا أبواب أو حتى شمّاعات!
الفساد في بلادنا لا يخجل، “مايحشمش”، يمشي على رجليه في الشارع دون حايك، ولا أدنى شعور بالمسؤولية، كما أن المفسدين الذين هربوا للخارج وفرّوا من القاعات الشرفية للمطارات، باتوا اليوم يضحكون ألف مرة على ذلك الشعار القديم الجديد المسمّى “دولة السيادة والقانون”، حيث نخشى أننا وصلنا إلى وقت لا سيادة فيه ولا قانون، كما أن أولئك اللصوص الصغار الذين تتم محاكمتهم هنا وهناك في القضاء أو فضحهم على صفحات الجرائد، ليسوا في نهاية المطاف سوى أسماك صغيرة لا ترى بالعين المجرّدة، في الوقت الذي عصفت فيه الحيتان الضخمة بكل القوانين، واستباحت جميع اللوائح والمحظورات، وهي اليوم خارج البلاد، وكأنّنا بها تخرج لسانها وتضحك على أولئك الذين مازالوا يعتقدون أن محاربة الفساد أمر جدّي وملموس وواقعي!
لقد تحول الديوان الوطني لمكافحة الفساد إلى رقم جديد داخل الإدارة المصابة بالبيروقراطية، أو لغرفة تسجيل وحسب، مثله مثل ديوان مكافحة المخدرات، وهو السبب الذي دفع ربما لتنصيب شخص واحد شغل مهمة مكافحة المخدرات في محاربة الفساد هذه المرة، طالما أن الجميع يدرك بأنه لا توجد إرادة سياسية ولا حتى نية حقيقية في محاربة المفسدين، كل المفسدين، بل هنالك محاولات دائمة من أجل ذرّ الرماد في العيون، وجلب بعض الرؤوس الصغيرة للقضاء من أجل الهاء الرأي العام، وبالتالي، فإن ما نقرؤه حاليا عبر الإعلام لفضائح الفساد، سواء داخل قطاع المحروقات أو غيره من القطاعات ليس سوى الجزء الظاهر من جبل الجليد.. جبل لا يريد أن يذوب، ولا أن يكشف عوراته كلها للعيان!