الرأي

فسحة الروح

صالح عوض
  • 3302
  • 0

عند تأمل الكون وتأمل البشر وعوالم النباتات والحيوانات بشتى أشكالها البري منها والبحري الزاحف والطائر، نعرف أن الجميع يسير بنظام دقيق في غاية الدقة والانسجام، قوامه العدل والنظام، في عملية تكاملية بديعة.. وفي هذه العملية لاشيء متروك للصدفة وغير معترف أبدا بالفلتان. فكل شيء بقدر.

وعند الدخول في التفصيلات نكتشف أن الأمر نفسه هو الناظم لحياة الفرد واحتياجاته.. إنه التكامل بين الحاجات والإمكانات وإنه التوازن بين الحاجات فيما بينها وبين الإمكانات وقدراتها.. لا خلل ولا اضطراب لكي يتحقق التصالح الداخلي والانسجام في تأدية الوظائف ومردودها على الإنسان روحيا وماديا. ومن هنا كانت الرحمة سبيل من تعرف على نفسه وتدبر الكون في ما حوله وأدرك ما عليه من واجبات بسيطة ومركبة..

في هذا كله، هناك مساحة من وقت مقدسة ومساحة من عواطف معتبرة لها قيمتها العليا تلك التي تتعلق بفسحة الروح وذلك للمكانة التي تتمتع بها الروح في حركة الإنسان الذي هو جوهر الكون ومدار الرحى.. هذه المساحة لابد من أن تزكو بالروح وترتقي بالهمة وتنتشي بتكسير القيود لتحلق بعيدا في فضاءات تليق بها فتسبح في ملكوت الفرح والإشراق فيرتد ذلك على العقل والقلب والسلوك فيعود النظام لعلاقة الإنسان بما حوله والفهم لحركة الكون ومن فيه وتكاملها.

والسبيل إلى فسحة الروح تكون بالارتقاء مع الأنبل والأصدق والأرقى والأبهى يكون بآيات القرآن الكريم ذات الجلال والجمال التي تفتح الآيات الكونية عن معجزات وفن بديع في التصوير والانحياز إلى كل جميل وخير ويكون الارتقاء بالصمت والتدبر لمن أوتي المعرفة الوجدانية والروحية ليقرأ بروحه آيات الله المنشورة في الكون ويكون الارتقاء أيضا بمن يذكرك بروحه بالسمو والنبل من كلام النبي والأئمة والصحابة والعارفين.

إن الإنسان من دون هذه الفسحة سيكون خشبا مسندة لا قيمة لها تتعرض للتكسير والتحطيم والاشتعال وقودا.. الإنسان من دون هذه الفسحة التي توصله بعالم من الفرح والاتساع المعنوي يكون جافا فجا غليظ القلب تلقي به الظروف في الصراعات العنيفة فتاكا لحياة وجمالها.. ويمكن له أن يتزود في غلظته بنصوص مقدسة وبمواقف ظاهرها المبدئية وجوهرها الشر والكره والحقد والأنانية.. فيكون التدين المغشوش والوطنية العنصرية والقومية الشوفينية والطبقية الحاقدة والطائفية النكدة..

فسحة الروح متعة للعارفين وراحة للمتعبين وأنس للمستوحشين.. وأرقاها بلا شك هي تلك التي يصلها نفر من الناس صفت أرواحهم وخلصت نواياهم وارتقت هممهم فيحضرون ضيوفا في الملكوت يتنعمون برضى الله ورضوانه وحبه.. فماذا بعد هذا من جمال.. وماذا بعده من سعادة.. وماذا بعده من طمأنينة ورضى.

مقالات ذات صلة