الرأي

فضائحنا‮ ‬بالأبيض‮ ‬والأسود‮

الشروق أونلاين
  • 3358
  • 4

تزامنا مع الكرم الذي لو علم به حاتم الطائي لانتحر ونحر معه حصانه، عندما مسحت الجزائر ديونا لا أحد طلب منها أن تمسحها، ومقدارها قرابة المليار دولار، اتجاه دول غالبيتها لا يعرف الجزائريون بما في ذلك المسؤولون موقعها من الخارطة الإفريقية، تزامنا مع هذه الأبّهة والعنترية والحاتمية، أطلّ علينا تقرير البنك الإفريقي للتنمية، ليصدمنا بأرقام لو كشفها بنك أوربي أو أمريكي أو ياباني لأخرجنا قواميس التبريرات الجاهزة، التي خطّها كبار النظام منذ عقود لإلصاق التهم “بالحسّادين والإمبريالية والرجعية والاستعمار الغاشم، والذين يصطادون في المياه العكرة”، فقد تابع السيد وزير المالية على المباشر من مراكش، سرد التقرير الذي عدّ 173 مليار دولار خرجت من الجزائر بطرق غير شرعية، وسكنت في بنوك أجنبية على مدار ثلاث عشريات، وهو رقم مهول أذهل الإفريقيين، الذين لا يفهمون كيف تواصل النهب على مدار‮ ‬ثلاثين‮ ‬سنة،‮ ‬وبالتأكيد‮ ‬لم‮ ‬يُذهل‮ ‬السيد‮ ‬الوزير‮ ‬ولا‮ ‬الجزائريين‮ ‬الذين‮ ‬لسان‮ ‬حالهم‮ .. ‬وما‮ ‬خفي‮ ‬أعظم‮ ‬وأهول‮.‬

 ومن حسن حظ الجزائريين أن التقارير التي تتحدث عن الفساد المتمكّن من جسد البلاد، والترتيب المتأخر للجزائر في كل المجالات الحيوية، صار يأتينا من الخارج، وبالأدلة القاطعة وبالأرقام أيضا، ولولا ذلك لبقي شكيب خليل وزيرا سابقا قابل للعودة إلى الوزارة، وربما حتى لرئاسة الحكومة في أي وقت شاء، ولبقيت جامعاتنا “منارة علم” كما كنا نتوّهم، ولبقي هذا الرقم الذي يبني قارة بحجم إفريقيا غيبيا، ومن سوء حظنا أيضا أن التقارير صارت تتهاطل علينا من مختلف القارات، فبعد أن كشفت لندن ومونتريال وباريس وسخ قطاع المحروقات بالألوان الطبيعية،‮ ‬جاء‮ ‬الدور‮ ‬على‮ ‬البنك‮ ‬الإفريقي‮ ‬للتنمية‮ ‬الذي‮ ‬فجّر‮ ‬فضيحة‮ ‬بالأبيض‮ ‬والأسود،‮ ‬ستجعلنا‮ ‬نعيش‮ ‬بالأسود‮ ‬والأسود‮ ‬فترة‮ ‬زمنية‮ ‬أخرى‮ ‬لن‮ ‬تكون‮ ‬قصيرة‮.‬

المشهد السياسي في الجزائر يقول إننا نمتلك العشرات من الأحزاب، والمئات من المعارضين والنواب، الذين ملأوا حياتنا انتقادات وقدموا أنفسهم كحل جاهز، والمشهد المالي يوحي أن لنا مصارف وبنوك مازالت تعمل بقوانين القرن الماضي، ومع ذلك نبقى رهينة للحقيقة القادمة من أوربا وحتى من إفريقيا، التي تنشر غسيلنا الوسخ الذي تأكد أنه ليس نتاج الأزمة التي عاشتها الجزائر في العشرية السوداء وما بعدها، بل إن جذوره تعود إلى الزمن الذي أوهمونا بأنه معصوم من الخطأ، لأن تقرير البنك الإفريقي أقدامه مغروسة في عام 1980 عندما كان سعر برميل‮ ‬النفط‮ ‬أقل‮ ‬من‮ ‬رُبع‮ ‬السعر‮ ‬الحالي‮.‬

عندما يتعرض جسم الإنسان إلى نزيف، يكون دور الأطباء الأول هو توقيف هذا النزيف، وواضح أن الدواء الإستعجالي الأول في الجزائر هو توقيف النزيف الذي تسبّب فيه الفساد، ومحاولة استرجاع ما ضاع، وبعدها يبدأ الحديث عن الإقلاع الذي يريدون القيام به بأبدان منهكة ومعنويات‮ ‬بلغت‮ ‬هذه‮ ‬الدرجة‮ ‬من‮ ‬الانحطاط‮.‬

‭ ‬المشكلة‮ ‬الكبيرة‮ ‬أن‮ ‬الفساد‮ ‬عندنا‮ ‬تشعّب‮ ‬وتجذر‮ ‬فصار‮ ‬مثل‮ ‬جهنم،‮ ‬كلّما‮ ‬قيل‮ ‬لها‮ ‬هل‮ ‬امتلأت؟‮ ‬صاحت‮ ‬بأعلى‮ ‬صوتها‮ .. ‬هل‮ ‬من‮ ‬مزيد؟

مقالات ذات صلة