فضائح “الجيل الثاني” تقلب الطاولة على بن غبريط
يعتقد الكثير من المدافعين عن وزيرة التربية الوطنية، نورية بن غبريط رمعون، أن فضيحة كتاب الجغرافيا، حيث استبدلت كلمة فلسطين بإسرائيل في خارطة موجهة إلى التدريس، “مؤامرة” حاكها خصومها في القطاع للإطاحة بهذه الوزيرة التي تسببت في جدال وسجالات سياسية وإعلامية جراء القرارات التي أصدرتها. وبالمقابل، يؤكد الرافضون لـ “إصلاحات” الجيل الثاني، أن الوزيرة ارتكبت ما لم يعد مسموحا به في قطاع حساس كقطاع التربية، ومن ثم وجب رميها المنشفة أو تدخل القاضي الأول، كي يضع حدا لاستمرارها على رأس وزارة التربية. فهل يمكن القول إن ما حدث من فضائح في قطاع التربية خلال السنتين الأخيرتين ومنه فضيحة كتاب الجغرافيا، كان مؤامرة دبرها “المحافظون” كما سماهم الأمين العام للأرندي، أحمد أويحيى؟ أم إن هذا الاتهام باطل وإن مسؤولية بن غبريط ماثلة وعليها تحمل المسؤولية كاملة؟ هذه الأسئلة وأخرى سيحاول “الملف السياسي” لهذا العدد الإجابة عنها.
استبدال فلسطين بإسرائيل في الكتاب المدرسي
فضيحة حركت مياه المشهد السياسي الراكدة
أعادت فضيحة “كتاب الجغرافيا”، الذي استبدل فيه اسم فلسطين بتسمية الكيان الصهيوني، “الإصلاحات” المزعومة التي أطلقتها وزيرة التربية، نورية بن غبريط رمعون، إلى الواجهة مجددا، مثلما وضعت الحكومة أما تحد خطير، تمثل في التذمر الشعبي الذي خلفته هذه الحادثة المثيرة.
ولم تكن قضية “الكتاب الفضيحة” سوى سقطة جديدة تضاف إلى السقطات التي عاشها القطاع خلال السنتين الأخيرتين، وأدخلت البلاد في حالة من السجال كانت في غنى عنه.. فالجزائريون لم ينسوا بعد فضيحة التسريبات التي شهدتها امتحانات البكالوريا وما خلفته من تداعيات، حتى هزتهم من جديد فضيحة كتاب الجغرافيا.
خطورة هذه الفضيحة لا تنبع فقط من كونها وضعت العقيدة الدبلوماسية والسياسة الخارجية للبلاد ومواقفها الثابتة من القضية الفلسطينية محل تشكيك، في وقت تشهد بعض الدول العربية سباقا نحو التطبيع مع الدولة العبرية، بل في خصوصية القضية الفلسطينية لدى عموم الجزائريين.
الوزيرة سارعت منذ البداية إلى تبرئة نفسها مما جرى، مستبعدة بذلك فرضية تحمل المسؤولية الأخلاقية باعتبارها المسؤولة الأولى عن القطاع، وللتهرب من ضغط الفضيحة، فتحت تحقيقا لتحديد المسؤوليات، ما يرسخ غياب ثقافة الاستقالة في الممارسة السياسية في البلاد، على عكس ما يحدث في الدول العريقة في الديمقراطية.
ولأن القضية على قدر كبير من الخطورة، كونها تعد نقطة تلاق لعدد من الأمراض التي تنخر دول العالم الثالث، فقد قسمت المشهد السياسي إلى تيارين، الأول يدافع عن الوزيرة وعن “إصلاحاتها” مهونا من حجم الفضيحة، والثاني ينتقدها ويطالبها بتحمل المسؤولية أخلاقيا وسياسيا، وذلك لن يتم، حسب هؤلاء، إلا بتسليم مفاتيح القطاع للرئيس كي يعيد تسليمها لغيرها.
بعض الفاعلين في قطاع التربية لا يخفون احتمال التعمد في السقوط في فضائح من هذا القبيل، بهدف شغل الرأي العام بقضايا هامشية، وهو احتمال يجد من يعتقد بجديته في ظل السياقات السياسية والاقتصادية غير العادية، التي تمر بها البلاد، غير أن هذا الأمر ينطوي على مخاطر غير محسوبة العواقب، طالما أن المسألة تتعلق بقطاع جد حساس مسؤول عن تكوين أجيال المستقبل التي ستقود البلاد.
وتؤكد التبريرات التي قدمتها كل من وزارة التربية والمؤسسة الوطنية للفنون المطبعية، باعتبارها الجهة الناشرة للكتاب، أن قضية “كتاب الجغرافيا” يمكن حصرها في احتمالين، الأول هو التعمد في الإساءة لشعور الجزائريين، والثاني هو التسيب والإهمال، وفي كلتا الحالتين، يمكن القول إن أركان الفضيحة مكتملة ومن ثم لا يمكن للجهات الرسمية العليا السكوت عنها.
ولا شك أن وصول الكتاب بهذا الخطأ إلى التداول المدرسي، يعني من بين ما يعنيه، أن أدوات الرقابة وآلياتها غائبة تماما في وزارة بحساسية وزارة التربية الوطنية، التي تعج بلجان القراءة موزعة على جميع المستويات، بدءا بالديوان الوطني للمطبوعات المدرسية، وكذا الإدارة المركزية للوزارة الوصية، ما يعني أن الكثير من الكتب المدرسية لا تمر عبر مسبار الرقابة، وأن خلو الكثير من هذه الكتب من الأخطاء خلال السنوات السابقة، هو الذي جعل الأمور تبقى طي الكتمان.
رئيس الجمعية الوطنية لأولياء التلاميذ، أحمد خالد
مطالبة بن غبريط بالاستقالة كلام تافه!
ما تعليقك على الخطأ الوارد في كتاب الجغرافيا؟
الضجة التي صاحبت الخطأ الوارد في كتاب الجغرافيا من طرف البعض هو زوبعة في فنجان، فهو فعل معزول وليس متعمدا كما يراد الترويج له، خاصة بعد تأكيد المدير العام للمؤسسة الوطنية للفنون المطبعية، “أن الخطأ الذي وقع في كتاب الجغرافيا هو هفوة تقنية غير مقصودة وليست مؤامرة”، لذا لا يمكن أن نعطيه أكثر من قيمته، فالسنوات الماضية شهدت ورود العديد من الأخطاء وتم معالجتها تلقائيا.
هل يرقى لدرجة وصفه بالفضيحة؟
غريب أمر من يتحدثون عن الفضيحة، خاصة وان البلاد تشهد العديد من الفضائح كان آخرها فضيحة كبش العيد، وجرائم الاختطاف والقتل المرتكبة حق البراءة، فهذه الضجة هي مؤامرة تحاك ضد الوزيرة، خاصة وان هذه الأخيرة وضعت ثقتها في مختصين لتولّي قراءة وتنقيح الكتب الجديدة، لكنهم خذلوها، فهي غير مسؤولة عن الخطأ، ومعدو الكتاب وضعوا خريطة العالم مباشرة من المتصفح العالمي “غوغل”، لذا وردت هذه الهفوة، فالكل يعلم مكانة القضية الفلسطينية في قلوب الجزائريين ومدى التزام الدولة بهذا المطلب.
أين دور الوزيرة، ولماذا ترمي الكرة في مرمى الناشرين؟
المؤسسة التي كانت مكلفة بالنشر هي تابعة لوزارة الثقافة، والكل يعلم أن المطابع في اغلبها مستقلة، والوزيرة قامت بدورها على أكمل وجه في هذا الملف، فلا داعي لتأويل وتسييس القضية، من طرف نواب ومفكرين نصبوا أنفسهم حماة الوطن، فلا نريد مزايدات على المدرسة الجزائرية.
ألا تعتقد أن مثل هذه الأخطاء تستوجب استقالة الوزيرة من منصبها؟
من يقول إن الوزيرة بن غبريط ملزمة بتقديم استقالتها، هذا الكلام تافه ولا معنى له، كما أنه يقلل من قيمة من رفعوه، خاصة وإن كانوا من نخبة المجتمع، فالخطأ وراد، وكل إنسان معرض لمثل هذه الهفوات، والوزيرة أكدت انه فعل معزول وليس مقصودا أو مدبرا، ومدير المؤسسة المسؤولة عن النشر، أكد أيضا أنها هفوة تقنية يمكن أن تحدث في أي لحظة، لكن الشيء الذي يمكن أن أقوله للذين يطالبون باستقالة الوزيرة “انتم ماذا قدمتم للجزائر كي تحاسبوا بن غبريط”.
الناطق الرسمي باسم “الأرندي” صديق شهاب
أطراف استغلت القضية للتموقع سياسيا وتأجيج الأوضاع
ما تعليقكم على ما وصف بفضيحة كتاب الجغرافيا؟
اعتقد أننا شهدنا من حين لآخر بعض الأخطاء في بعض الكتب المدرسية التي تم إصدارها عند مواسم الدخول المدرسي، وهذه الأخطاء يؤولها كل طرف وكل جهة انطلاقا من مواقعه السياسية. ونحن في التجمع الوطني الديمقراطي نعتقد أن القضية الفلسطينية بما تحمله من التزام وتعاطف سياسيين كبيرين حكومة وشعبا، تفوق الأخطاء.
اعتقد أن الشعب الفلسطيني عبر بنفسه بخصوص مواقف الجزائر حكومة وشعبا أيضا، لأن الجزائر من البلدان القليلة التي لم تطبع مع الكيان الصهيوني. وبرأيي فإن كل هذه الضجة التي أثيرت هي محاولة لاستغلال الظرف قصد التموقع السياسي وتأجيج الأوضاع ودفعها نحو المزيد من الاحتقان في الساحة الوطنية.
وهل يعقل أن تحمل المسؤولية لدار النشر التي تتلقى مضمون الكتاب من طرف الوزارة الوصية؟
هذا دليل آخر على أن هناك نوعا من التسيب واللامبالاة في التعاطي مع أهم القضايا، والتراشق وتبادل التهم لا يسمن ولا يغني من جوع في هذه القضية. وبرأينا فالمطلوب هو أن كل طرف يجب أن يتحلى بروح المسؤولية وصرامة وجدية أكثر في التعامل مع القضايا الحساسة وإبداء حرص دائم بشأنها من طرف كل الفاعلين من وزارة ومطبعة ومراقب وبيداغوجي ومفتش وغيرها.
ألا ترون أن فضيحة بهذا الحجم يجب أن تجر صاحبها للاستقالة؟
التعاطي مع مثل هذه القضايا يقودنا إلى اختزالات –المعاقبة والاستقالة- لأن الأمر لا ينظر إليه من هذا الباب، بل يجب علينا أن نرسخ ثقافة الدولة في الرقابة القبلية والبعدية وتبقى المعاقبة أو الاستقالة هي تحصيل حاصل، ولا بد من الرجوع إلى أبجديات ممارسة السلطة ولا بد من إعادة الاعتبار لعون الدولة.
إذن المشكل حسبكم لا يرتقي لأن تقدم الوزيرة استقالتها؟
أنا لا أقول إن المشكل لا يرتقي لأن تقدم الوزيرة استقالتها، بل الحل حسب رأينا هو في إعادة الاعتبار لمفهوم المسؤولية وبعدها النبيل.
المكلف بالإعلام في “كناباست” مسعود بوذيبة
الفضيحة هدفها شغل الرأي العام بنقاش هامشي
ما تعليقك على فضيحة كتاب الجغرافيا؟
في الحقيقة؛ فضائح كتاب الجغرافيا متعددة، فالكتاب تضمن أخطاء علمية وسياسية وتاريخية، ولم يأخذ وقته الكافي في الإعداد، فمن غير المعقول أن يمر الكتاب عبر القنوات المعتمدة في إعداد ومراجعة وطبع الكتب، ويضم أخطاء بهذا الحجم وبهذه الخطورة، فما يحصل الآن في قطاع التربية، كان منتظرا، منذ الإعلان عن مراجعة المناهج والبرامج وطبع الكتب في سرية وتعتيم كبيرين.
تأبى الفضائح التوقف في قطاع التربية، برأيك ما هو السبب؟
نحن لا نستغرب تراكم الفضائح في هذا القطاع، خاصة في السنوات الأخيرة، وهو ما يدفعنا للقول إن الأمور مبرمجة لخلق الجدل، واتخاذ قرارات فصل غير مدروسة للإطارات في قطاع التربية، والعمل على تثبيت سياسات معروفة، ففي الوقت الذي كنا ننتظر اتخاذ قرارات صارمة بخصوص فضائح تسريبات البكالوريا، نجد أنفسنا أمام إعادة هيكلة امتحانات هذه الشهادة دون معاقبة المتسببين الحقيقيين، لذلك نقول إن مسلسل الفضائح هدفه واضح وهو إدخال الجميع في نقاشات لتشتيت الرأي العام.
ألا تعتقد أن وزيرة التربية بن غبريط هي ضحية مؤامرة؟
لا يمكن الجزم إن بن غبريط ضحية مؤامرة، خاصة وان القائمين على هذا القطاع، هم من يقف وراء الفضائح بسوء تنظيمهم وافتعال المشاكل، فمن يتحمل المسؤولية هو محيط الوزيرة ، لهذا لا يمكن القول إن الوزيرة مستهدفة، لأن الفضائح المتكررة في هذا القطاع مبرمجة، والتحدث عن المؤامرة هي مجرد محاولات لإبعاد إطارات غير محسوبة عليها وتقديمهم كـ”كباش فداء”، وهو ما يجعلنا نقول إن بن غبريط مستهدفة من محيطها.
من يتحمل المسؤولية، وهل استقالة الوزيرة هي الحل لوقف مسلسل الفضائح؟
نحن لا نربط المشاكل بالأشخاص، ولا نشخص الأمور، فقطاع التربية يعيش مشاكل سيكون لها انعكاسات على المدرسة والمواطن، لذلك أقول إن الدولة مطالبة بالتدخل لوقف هذه المهازل، مع وعيها الجيد بأن المدرسة هي من أولوياتها. نحن ننتظر إجراءات عاجلة وسريعة، لأن الأوان قد حان لوضع هذا القطاع في أجواء من الاستقرار والهدوء.
الناطق الرسمي باسم الأفلان حسين خلدون:
فضيحة كتاب الجغرافيا جريمة في حق الجزائريين
ما موقفكم من فضيحة خطإ كتاب الجغرافيا للسنة الأولى متوسط والضجة الكبيرة التي أثارها؟
نحن، في حزب جبهة التحرير الوطني، اعتبرنا أنه خطأ غير مسبوق، لأنه يتعلق ويمس فئة واسعة من أبناء الشعب، وأطفال اليوم هم رجال الغد. وأنا شخصيا اعتبرته جريمة في حق الشعب الجزائري، وأقصد هنا حكومة وشعبا، لأن موقفنا مبدئي وتاريخي من القضية الفلسطينية، بل هي قضيتنا نحن الجزائريين، وحتى خلال الثورة، المجاهدون والشهداء قالوا إن استقلالنا لن يكتمل إلا باستقلال فلسطين. من جهة أخرى، ما وقع خطأ غير مسموح به، لأن الضرر المعنوي الذي أحدثه في موقف الجزائر كان كبيرا، ولذلك لا بد من اتخاذ إجراءات تضمن عدم تكرار مثل هذه الأخطاء غير المسموح بها.
خطأ بهذا الحجم هل يمكن اعتباره مطبعيا، فقط؟
لا بد من اتخاذ إجراءات لعدم تكرار الأخطاء، لأن آليات الطباعة المعتمدة الميكانيزمات الرقابية (العدد صفر)، واشتراط الموافقة المسبقة على كل صفحة بعد تمحيصها من أجل طباعتها وغيره، يجعل من وقوع الخطإ شبه مستحيل، وهو ما يعطي الانطباع بأن الخطأ كان متعمدا.
ولذلك، نحن لا نوجه التهمة إلى أي طرف ولا نحمل المسؤولية لأحد ولسنا سلطة قضائية، لكن وجب تسليط الضوء على القضية والتحقيق فيها ومعاقبة المتسببين.
هناك من يقول إن الوزيرة بن غبريط مستهدفة بمؤامرة ما رأيكم؟
الوزيرة بن غبريط لها ثقة رئيس الجمهورية وهي مسؤولة في الحكومة، وبالنسبة إلينا ما يهمنا ليس كون الوزيرة مستهدفة أو غير مستهدفة، لكن نحن ننظر إلى الخطإ ويجب تفعيل الأجهزة الرقابية ومسار الطبع وبعدها اتخاذ الإجراءات. وبالمناسبة نحن ندعو إلى عدم تسييس المدرسة ولندع المدرسة تسير بشكل عادي، فليصحح الخطأ ونتمنى عدم تكراره.
في رأيكم من يتحمل المسؤولية؟ وهل على الوزيرة تقديم الاستقالة؟
نحن في حزب جبهة التحرير الوطني نندد بهذا الخطإ ونطالب بالتحقيق. أما الاستقالة، فهذا الموضوع لا يهمنا، ما يهمنا هو كشف المتورطين. وزيادة على هذا فنحن في الأفلان، ندافع عن برنامج الحكومة وحصيلة الحكومة، لأنها حكومة تطبق وتنفذ برنامج الرئيس، الذي هو الرئيس الشرفي للحزب، ووزراء الأفلان أغلبية في الحكومة، ونحن نعمل على إنجاح برنامج الرئيس ودعمه.