فقدت روحي الإيمانية بسبب سعيي الحثيث للزواج!
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته:
أشكر لكم هذا المنبر المتنوع والذي أصبح متنفساً للجميع.
أنا شاب تخرجت حديثاً من الجامعة، ودخلت في دوامة العمل لفترتين، صباحاً ومساءً، حتى أستطيع أن أتزوج مبكراً، ومع مرور الوقت وجدت نفسي قد تغيرت، فأعود منهكاً من العمل لأنام مباشرة، فلم يعد هناك وقتاً لحفظ القرآن بتأني، ولا أستطيع أن أستيقظ لصلاة القيام، بل وغالباً أصلى الفجر في المنزل.
أخشى أن يتدهور حالي أكثر… ما السبيل للتوازن بين متطلبات الدنيا واحتياجات النفس للعبادة؟
كذلك يصيبني في كثير من الأحيان الغل والحسد لبعض الأشخاص، فأتوب وأستغفر وأدعو لهم لكنني أعود لنفس الأمر، كيف أحافظ على قلبي؟
فريد
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الرد:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أهلاً وسهلاً بكم أخي الكريم على صفحات موقعنا المتميز جواهر الشروق، والله أسأل أن ييسر لك أمرك، وأن يعينك على نفسك بالطاعات الدائمة.
بارك الله لك في حرصك على مرضاة الله، وهنيئا لك هذه (النفس اللوّامة)، فهي نعمة لا يمتلكها كثير من الناس اليوم.
هذه بعض الأفكار التي عرضها د. خالد أبو شادي لمن شغلوا بالدنيا:
– الفرائض أولا:
التزم بالفرائض بجناحيها: الأوامر والنواهي، فالأوامر كالصلاة على وقتها، والنواهي: فلا نظر إلى حرام، ولا كلام محرم من غيبة أو شتم أو لعن، ولا سماع إلى غيبة أو نميمة، وهذه سبيل توصل إلى أعلى درجات العبادة مهما ضاق وقتك، ففي الحديث: (اتق المحارم تكن أعبد الناس(.
– داوم على القليل:
اجعل لك نصيبا من النوافل –وإن قلَّ- لا تفرط فيه مهما حدث إذا كنتِ غارق في أعباء عملك الدنيوي، ولم يكن عندك وقت لطول القيام؛ فجاهدتَ نفسك في قيام ركعتين قبل الفجر انتزعتهما من وقت النوم الذي تحتاجه بشدة، فأبشر! قال ابن القيِّم: “ليس العجب من صحيح فارغ واقف مع الخدمة، إنما العجب من ضعيف سقيم تعتوره الأشغال وتختلف عليه الأحوال ؛ وقلبه واقف في الخدمة غير متخلِّف بما يقدر عليه“.
– عبادات القلب منسية:
فالتواضع والصبر والرضا والتوكل على الله والخشية كلها عبادات قلبية، لعل الذرة منها تسبق أمثال الجبال من أعمال الجوارح، وقليلٌ من ينتبه إليها، وهي لا تستغرق كثير وقت لكن تحتاج منا لحضور قلب.
– الدعوة في ميدان العمل:
الدعوة إلى الخير اليوم واجبة بثلاثة أمور:
أولاً إتقان عملك، وضرب المثل للقدوة للمسلم الملتزم الذي يصل إلى ما لا يصل إليه غيره من مهارات وكفاءة أداء.
ثانياً الأمر بالمعروف بمعروف، إما بلسان الحال، فيراك من حولك حريص على الصلاة في وقتها، وصيام التطوع، والمسارعة إلى أعمال الخير، أو بلسان المقال بتوجيه من حولك على الخير وحثك عليه.
ثالثاً النهي عن المنكر، فتلتزم بسلوكيات العمل من عدم الاختلاط الذي يزيل الحواجز بين الجنسين ويرفع الكُلْفة، وتتصدى للغيبة الجارحة، وتذب عن عِرض أي مسلم ومسلمة إن ذكرهما أحد بسوء.
إن ساحة العمل المهني ليست منفصلة عن أجواء العبادة، ومحراب المجتمع لابد له من اتصال بمحراب المسجد، وإلا كانت العبادة مظهرا لا جوهر له، وادعاء لا حقيقة.
– أبواب الخير كثيرة:
ما من عمل عظيم يقوم به قوم ويعجز عنه آخرون إلا جعل الله لهم عملاً يساويه أو يفضل عليه، فلا يبقى لمتخلِّف عذر، وعليك اختيار عباداتٍ تناسب ظروفك وأوقاتك، ولا تستغرق منك وقتاً كبيراً، فالصيام مثلا ميدان واسع للمنشغل في عمله، وفي حديث أبي أمامة: (عليك بالصوم فإنه لا مِثْل له) ، ونفع الغير وتقديم الخير من خلال مهنتك ووظيفتك أو خارجها، وجدِّد بذلك نية نفع مسلم وقضاء حاجته، فقال الحسن البصري: “مشيك في حاجة أخيك المسلم خير لك من حجة“، والصدقة فكل امرئ في ظل صدقته حتى يُفصَل بين الناس.
وبخصوص شعورك بالغل أو الحسد فهذا خطير، فهو أول ذنب عُصِي الله به في السماء وفي الأرض؛ فأمّا في السماء فحسد إبليس لآدم، وأمّا في الأرض فحسد قابيل لهابيل.
ويكفي الحسد شؤما ووزرا أنه ينفي الإيمان عن قلب العبد، ولا يجتمعان في قلب عبد: الإيمان والحسد)، وأنه اعتراض على قدر الله (لم أعطيت فلان وحرمتني؟!)، وأنه يملأ القلب سخطا على أقدار الله، وأنه بذرة العداوة والبغضاء (دبَّ إليكم داء الأمم قبلكم: الحسد والبغضاء).
وهو داء متوارث عبر الأمم، ومرض مزمن للنفس البشرية، وللشيطان معه خبرة طويلة متراكمة، ولذا يقع أكثر الناس فيه.
لعلاج الحسد هناك جرعة خماسية مختصرة:
1- انظر إلى من هو أسفل منك، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “انظروا إلى من هو أسفل منكم، ولا تنظروا إلى من هو فوقكم؛ فهو أجدر ألا تزدروا نعمة الله عليكم”.
فالنظر إلي من هو أقل منك يساعدك على رؤية الجوانب المضيئة في حياتك، والحسد يعمي بصيرتك عنها.
2- الدعاء بالرضا، فقد كان عمر بن عبد العزيز يدعو: “اللهم رضِّني بقضائك، وبارِك لي في قدرك، حتى لا أحب تعجيل شيء أخَّرته. ولا تأخير شيء عجَّلتَه”، وتثق مع هذا أن الله لا يقدر لك إلا الخير، في دينك ودنياك، وأنَّ رضاك عن الله هو مفتاح رضاه عليك، فقد قال سبحانه: (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ)، فجعل أحد الرضائين مقرونا بالآخر.
3- اطمح أن تكون أفضل الناس؟! فليسوا أفضل الناس عند الله أصحاب العبادات الظاهرة، لكن من أثَّرت فيهم هذه العبادات حتى طهَّرت قلوبهم، ففي الحديث: “أفضل الناس كل مخموم القلب صدوق اللسان، قالوا: صدوق اللسان نعرفه، فما مخموم القلب؟ قال: التقي النقي، لا إثم فيه ولا بغي ولا غل و(لا حسد)”.
4- لكن هناك حسد مشروع كما ورد في الحديث: «لا حسد إلا في اثنتين: رجلٌ آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار، ورجلٌ آتاه الله مالا فهو ينفقه آناء الليل وآناء النهار».
ما الذي يحسد الناس عليه غيرهم اليوم؟! هل هو المال الذي يمكن أن يضيع بخسارة تجارة، أو مضاربة في بورصة، أو تفقد الاستمتاع به عند كبر سنك أو شدة مرضك، ثم تُحاسب عنه غدا: من أين اكتسبته وفيم أنفقته، بل ويتأخر بسببه دخول الغني الجنة 500 سنة عن الفقراء حتى يُحاسب عليه؟ هل يصلح أن يكون مادة للحسد؟!
أم هي الشهرة التي تتحول بمرور الوقت إلى قيد على الإنسان يُشعِره أنه مراقب في كل حركاته وسكناته؟! أم هل هو الجمال الذي يختفي بالكبر والشيخوخة؟!
لا يستحق الحسد على الحقيقة إلا القرآن والمال الذي يُنفق في سبيل الله؛ لأنه الكنز الذي يبقى.
واسمع أخي هذا الكلام الجميل من محمد بن سيرين: “ما حسدتُ أحدا على شيء من الدنيا؛ لأنه إن كان من أهل الجنة فكيف أحسده على شيء من الدنيا وهو يصير إلى الجنة؟! وإن كان من أهل النار، فكيف أحسده على متاع من الدنيا وهو يصير إلى النار؟!”.
5- وأخيراً أخي عليك بالدعاء بالبركة لما أعجبك، لتمتثل أمر النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا رأى أحدكم من نفسه أو ماله أو من أخيه ما يُعجِبه، فليدْعُ له بالبركة، فإن العين حق».
وهذا الدعاء يحمي المحسود، ويهذِّب قلب الحاسد.
تمنياتي لك بالسعادة والتوفيق
للتواصل معنا:
fadhfadhajawahir@gmail.com