الجزائر
اشتكوا عزوف اليد العاملة بسكيكدة

فلاحون مسنون يجاهدون للحفاظ على ثروة القسطل

روبورتاج: إسلام. ب
  • 1683
  • 0

رافقت “الشروق” ضمن مجموعة من الصحفيين، منتجي الكستناء أو القسطل كما يعرف في ولاية سكيكدة وغالبية أنحاء الوطن، إلى الجبال المتواجد غرب الولاية أو المصيف القلي من بوالنغرة، وتيزغبان بأولاد أعطية إلى قنواع، وأخناق مايون، أين توجد أشجار هذه الثمار بوفرة على مستوى غابات وأدغال المنطقة، فغالبية هذه الأشجار توارثها الأحفاد عن أجداد اهتموا بها، فقد فاق عمر بعضها، القرن وحتى القرنين من الوجود.

ونحن متوجهون من بلدية بني زيد غرب الولاية إلى جبال أولاد عطية، كان واضحا بأن الطريق يتعقد كلما تقدمنا بضعة أمتار، وهو ما جعل عمي صالح يسجل ضرورة الشروع في فتح المسالك الغابية الوعرة، التي تصعّب عليهم الوصول إلى حقولهم الفلاحية المتواجدة داخل الغابات الكثيفة، والتي تمتاز بها ولاية سكيكدة.

وقال إن العملية لا تحتاج إلى إمكانيات كبيرة ولا إلى وقت طويل ويمكن تنفيذها في يوم واحد أو يومين إذا توفرت الإرادة الإدارية، خاصة أن الجني سيتواصل إلى منتصف شهر نوفمبر القادم.

جهود كبيرة وأرباح زهيدة

وسألنا عمي صالح إن كان يعتبر “القسطل” من الفاكهة، فقال إن طريقة زرعه ونمو أشجاره تضعه في مصاف المكسرات مثل اللوز والجوز، ولكن حفظه غير ممكن، ومشكلة أشجاره وثماره، أنها هشة تصاب بالأمراض بسهولة، وانتقال العدوى قد تؤدي إلى تضرر غابة قسطل بالكامل، كما حدث في الموسم الماضي، وفي أحد مواسم جائحة كورونا حيث لم يتأسف كثيرا الفلاحون لأن مرض أصاب الأشجار وأفسد الغلّة من دون جني.

3 آلاف شجرة هرمة تنتظر “التشبيب”

وأشجار القسطل، بحسب محدثنا، تحتاج إلى برودة خاصة، تجعل من غرس أشجاره في الجبال ضرورة ملحة، وهي تجر إلى مشكل آخر وهو اليد العاملة التي تساهم في قطف حبيباته، ومن الصعب الحصول على اليد العاملة من أطفال وشباب ونقلهم إلى قمم الجبال على ارتفاع يزيد عن 500 متر عن سطح البحر، وأدغال الغابات، عبر طرق مواصلاتية رديئة، وفي فصل الخريف الذي هو فصل العمل والدراسة. وكما قال عمي صالح، فإن الكثير من أشجار القسطل تنهي موسمها الطازج من دون جني.

وقد لاحظنا منذ دخولنا حقول أو غابات القسطل، تواجد شيوخ ونساء منهم من قارب الثمانين أو تجاوزه، يستعملون عصي وأعواد لإسقاط حبات القسطل بطريقة مرهقة، ولم نكد نشاهد شابا واحدا بين الفلاحين الذين كانوا يجنون هذا الثمار.

وأرجع بعض الذين كانوا يثابرون لإسقاط حبات القسطل، سبب ذلك إلى الثمن الرخيص للقسطل في أسواقنا يجعل تعبه أكثر من فوائده المادية.

وكما هو الأمر مع جني الزيتون، فإن جمع الكستناء هي الأخرى مورد الرزق الأوحد، لعشرات العائلات الريفية، خاصة في منطقة خناق مايون، وأشجار القسطل، بالإضافة إلى ذلك ثروة وطنية كبرى بالنظر إلى وجود غابات شاسعة.

والمؤسف، أن الفساد نخرها مؤخرا، وتعرضت في السنوات الأخيرة، وبنسق تصاعدي إلى عمليات نهب وسرقة وحرق، أما تجاريا فإن قيام البعض ببيع المحصول قبل جنيه أفسد الحرفة وجعل العزوف عنها هو الحل خاصة في هذا الموسم الذي وصف بالجيّد بتزايد الإنتاجية لهذا المحصول، رغم الجفاف الذي ضرب المنطقة هذا العام، إضافة إلى شيخوخة الأشجار التي عمرت كثيرا وهرمت، والحرائق التي أتت على العديد منها.

3 آلاف شجرة قسطل هرمة.. عبء على الغابة!

ويتمنى منتجو القسطل ومن بينهم المزارع رياض قريرم، الذي تحدث لـ”الشروق “، حملة تشبيب للأشجار كما كان الحال مع أشجار الزيتون، أو كما حدث في سنوات سابقة مع أشجار الجوز، فبحسب أحد لفلاحين، فإن عدد الأشجار الهرمة، فاق ثلاثة آلاف شجرة وأصبحت عبئا على الغابة، لذلك، فإن الوقت قد حان للانخراط في نسق التشبيب، وتجديد الأشجار الهرمة، التي فقدت القدرة على الإنتاج. وتحسيس الفلاحين في كامل الجهات، بضرورة تطوير الغابة، وتشجيعهم على الاستثمار الفلاحي في الأشجار ذات المردودية العالية، وتحسين البنية الأساسية، من طرقات ومسالك فلاحية وتوفير مياه السقي، ما يشجع الفلاحين على الاستقرار فيها، والاهتمام بحرفة غرس أشجار القسطل وغيرها من الأشجار الغابية التي تطور الغابات وأيضا تقي المدن من التصحر، بحسب أحد منتجي القسطل السيد رفيق، من الذين لهم معلومات وفيرة عن أشجاره وثماره، نقلها من جبال تركيا التي تعتبر حاليا ثالث البلاد المنتجة للكستناء بعد الصين وبوليفيا، فتركيا تكاد غاباتها تتركز على أشجار الكستناء المعروف توفرها بكثرة في أمريكا اللاتينية وشمال حوض البحر الأبيض المتوسط في فرنسا وإسبانيا وإيطاليا واليونان.

عمي صالح.. فلاح يتحدّى الزمن في جني القسطل

وما يحز في نفس الفلاح، يونس بن شلبي، أنه يبيع بعد عملية الجني منتجه بسعر لا يزيد عن 200 دج للكيلوغرام، بعد جهد كبير، في التنقل إلى الغابات والقطف، ليجد منتجه في الأسواق بسعر لا ينزل عن 600 دج للكيلوغرام.

ويعود عمي صالح ليسجل لامبالاة مديريات الفلاحة وخاصة الغابات بأشجار القسطل لأن آخر غرس لها يعود إلى سبعينيات القرن الماضي أي منذ نصف قرن عندما تم توزيع شجيرات صغيرة على متطوعين شباب وطلبة غرسوها في جبال المنطقة، من دون متابعة ولا وقاية بعد ذلك وهو ما أدى، بحسبه، إلى تراجع القسطل في الجزائر.

وتوجهنا بعد ذلك إلى وسط مدينة سكيكدة، أين لا حظنا في شارع الأقواس عددا من الشباب ينزوون أمام أعمدة الشارع وما بين حوانيته يبيعون القسطل المشوي، في شبه قدر نحاسي كبير على الفحم، وقال أيمن بأن الفترة الزمنية للقسطل التي لا تزيد عن الشهر تجعل من احتراف بيعه غير ممكنة، وهو احتراف آني فقط، أما عن بيعه فهو يقتنيه أحيانا من الفلاحين في جبال القل وأحيانا من السوق حيث لم ينقص سعر الكيلوغرام هذا الخريف عن 500 دج وهو أقل من سعر الموسم الماضي 800 دج، أما بيعه فلا يكون بالميزان وإنما في “قرطاس” ورقي يقدّم ساخنا لشباب الحي وعابري السبيل بسعر 100 دج. ويقول صديقه مروان، إن التسلية والتمتّع بعملية الشيّ تعفيني من حساب الفائدة المالية وهي موجودة، ولكنها بدون بيع التين الشوكي أو الذرى وغيرهما.

مقالات ذات صلة