فلذات أكبادنا ليست أرقاما يتشدق بها تجار حقوق الإنسان
اختلفت أسماؤهم ومسمياتهم، بدءا من اتجاهاتهم الدينية والسياسية ووصولا إلى أصولهم العرقية، لكن هدفهم شيء واحد، هو عدم السماح للنظام السوري بخطف أرواح فلذات أبنائهم والاعتداء على أعراضهم وممتلكاتهم، هذه هي حقيقة واقع المدنيين السوريين البسطاء في الأحياء الشعبية والقرى والضيعات، كلهم كلمة واحدة “لن نركع إلا لله ولن نرضى بالمذلة”.
مقتل الصحفيين في “حمص” كان وقعه عميقا في قلوبنا
يا لها من حرب تأتي على الأخضر واليابس، ويصبح فيها الضحية ينتظر فيها جزاره ليأتي لينحر ه، هي الصورة الحقيقية التي تميز سوريا منذ أكثر من 11 شهرا، والعام لا يحرك ساكنا لوقف حمام الدم الذي تسقيه دماء الأبرياء من المدنيين العزل وحتى الحيوانات في مراعيها لم تنج من قصف دبابات الجيش النظامي.
هذه الصورة هي لجزء يسير من هول ما يحدث في أغلب المحافظات والمدن السورية والقرى، التي يمنع النظام السوري من دخول الإعلاميين لها ووصول المساعدات الإنسانية للمنكوبين داخلها، في ظل وقوف الصين وروسيا في وجه قرار من مجلس الأمن يدين الهمجية والقصف العشوائي الذي يتعرض له المدنيون.
وقد تمكنا بعد مساعدة لجان المقاومة الشعبية بـ “إدلب” من الوصول إلى منطقة واقعة على بعد سبعة كيلومترات عن وسط مدينة، أين كانت دبابات عسكرية تابعة للجيش النظامي تمارس مجازر في حق الإنسانية، بقصف أهداف مدنية معينة داخل قرية “كورين”، يحرم القانون الدولي استهدافها في الحروب بين الدول، كالمستشفيات والعيادات الطبية ودور العبادة من المساجد والكنائس.
خلال توجهنا إلى القرية، كان التوتر يسود ركاب سيارة “الستايشن” التي كانت تقلنا مع قائد كتيبة “أبو بكر الصديق” في جيش التحرير السوري، كنا نترقب ما قد يحدث في الطريق، وكان السائق يتجنب قدر المستطاع الوقوع في قبضة نقاط التفتيش العسكرية النظامية أو فرق ومجموعات “الشبيحة”.
كانت لحظات للتشهد والتسبيح بالنسبة لي ولمصور وكالة الأنباء الفرنسية التركي “بويلنت”، وأخرى يتلو فيها “بيدرو” و”كريستوف” الفرنسيان صلواتهما المسيحية، مرت خمسة دقائق وكأنها خمسة أيام، كل واحد فينا ألح على زميله بالاتصال بمقر عمله وعائلته في حال حدوث شيء ما، خاصة مع ما بلغنا من مستجدات عبر جهاز “الثريا” من الثوار، حول مقتل صحفيين في مدينة “حمص” خلال هذا اليوم.
مدنيون يتحدثون: الجيش النظامي السوري فعل ما لم يفعله الاستعمار
تبادلنا خلال الطريق التشاور بيننا كصحفيين، حول الاستمرار في التقدم رفقة أبو أمين قائد “كتيبة أبو بكر الصديق”، أو الالتزام بالعودة إلى “إدلب”، لكن قررنا بعدها الالتزام بالخطة للتحرك إلى مكان تواجد الدبابات التي توجه مدافعها باتجاه قرية يسكنها حوالي 10 آلاف شخص.
يقول أبو أمين “حصار المدينة وقتل الأبرياء من المدنيين، زاد كل السوريين المطالبين بالحرية الإصرار على الدفاع الأعراض والأرواح مهما كحان جنسه أو عرقه أو دينه،” يتوقف أبو أمين ليقول “سأل الكثير من السوريين كيف طمرت هذه الشجاعة الكبيرة طيلة أكثر من أربعين عاما؟ ليجيب بعدها، لقد واجه أحد المتظاهرين رصاص قناصة الجيش “الأسدي” بالوقوف وسط الطريق حاملا مصحفه وهو يردد الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله”.
ليضيف” شكل انتشار قصة استشهاد أبو ساعد حامل المصحف على غرار المئات من القصص، دافعا لتسلح المئات من السوريين للدفاع عن أعراضهم وأرواح عائلاتهم، فكل الناس خلال هذه اللحظات، يسعى للحصول على أي طلقة نارية بأي ثمن يكون”.
خلال هذه اللحظات، أوقف سيارته على مقربة من أشجار الزيتون، أين استعمله كساتر، لحجب الرؤية وتجنب القناصة المرافقين لدبابات التي كانت تقصف قرية “كورين” على مرأى من كاميرا الشروق.
شعرت خلالها بفورة دم كبيرة، خاصة مع مصادفتنا لعشرات الأطفال والنساء الفارين في البراري وبين أشجار زيتون الغابات، كان منظرا حزينا جدا لتقول عجوز في السبعين من العمر “لم أتخيل أن يقتل أولادنا، أبناء جلدتنا” لتضيف “الفرنساويين لم يجرؤوا على هذا القصف العنيف”، لقد قصفونا ليس لتهمة أننا ساعدنا إسرائيل بل لأننا قلنا ربنا الله، ألا يتقي المسلمون العرب اللهَ وهم يتفجرون علينا نذبح ونقتل ونغتصب، حسبنا الله ونعم الوكيل منكم يا مسلمون حسبنا الله ونعم الوكيل منكم يا عرب، خذلتمونا”. تتوقف بعدها العجوز والدموع تخنقها، لتستمر رفقة النساء والأطفال في الفرار وسط البراري والجبال هائمات على وجوههن.
قائمة للضحايا والقتلى لا نهاية لها في إدلب
اشتد القتال بين الثوار من “جيش التحرير” المؤلف من المدنيين وبعض المنشقين والعسكريين المتقاعدين من جهة ، وقوات الجيش النظامي من جهة، ليؤكد لنا مرافقنا أن الأمر خطير جدا ويتوجب علينا مغادرة إلى “إدلب”، بعد أن تلقى مخابرة عبر اللاسلكي تفيد بضرورة عودته إلى وسط المدينة بالجهة التي يسيطر عليها الثوار، ويدافع عنها المدنيون المتطوعون في كتائب جيش التحرير وأبي بكر الصديق.
لحظات وصولنا إلى مدينة “إدلب”، كان وابل من إطلاق النار الكثيف يسمع على أطراف الأحياء السكنية من الأسلحة الثقيلة التي كان الجيش النظامي يستهدف بها مدنيين ومنازلهم، بدأ مرافقنا يتصل عبر اللاسلكي يجري محادثات حثيثة مع مجموعات الثوار والمدنيين المتمركزين في مختلف مناطق المدينة، للوقوف على حقيقة ما يقع من إطلاق نار.
تأكد أبو أمين أن الأمر يخص، شهيدين نقلوا إلى مستشفى ميداني، وفورا توجهنا إلى المكان، لأتوقف عندها عن التصوير لأن المشهد كان مؤثرا جدا، “محمد الشاوي” شاب في السادسة عشرة من العمر مسجى فوق الطاولة الطبية، وعلى جسده أكثر من 15 رصاصة موزعة على جسده بين الرأس والصدر والبطن، وما هي إلا لحظات حتى تم إحضار أبويه، لتدخل أمه وهي تصرخ “لا حول ولا قوة إلا بالله، حسبنا الله ونعم الوكيل” في منظر هستيري لا يتحمله قلب بشر، فضلا عن أن تكون لترى ابنها في ربيع العمر، الذي ودعته قبل ساعات ليجلب رزقهم، مسجا لا ذنب له سوى أنه مدني أعزل، هتفت مدينته بالحرية وإسقاط الظلم والدكتاتور، لم أستطع المكوث أكثر من ثلاث دقائق في المستشفى الميداني، لأغادر الغرفة التي امتلأت بالثوار وهم يرددون صيحة واحدة “لا إله إلا الله والشهيد حبيب الله“.
بالغرفة المجاورة التي كنا فيها، كان هناك العشرات من الأشخاص ينتظرون من يخبرهم عن حال الابن الذي كانت أحشاءه في الأرض ولا يستطيع الأطباء الذين حدثناهم أن يفعلوا له شيء لعدم توفر الإمكانيات والأدوية اللازمة.
ليصيح في الرواق شيخ هرم”فلذات أكبادنا ليست مجرد أرقام تضاف في قائمة المتشدقين بحرية الإنسان”.
هذه العبارة صدمتني مع ما رأيته في هذا اليوم من أحداث لا يتحملها قلب بشر.