الرأي

فلسطين بين “حرب التحرير” ومعارك “التحريك” ..من تحرير الأرض إلى تحرير المعابر

حبيب راشدين
  • 2372
  • 10

مع كل التقدير لإنجازات المقاومة في العدوان الصهيوني الأخير، وتثمين الصمود البطولي للأهل في غزة، فإن الإنسياق مرة أخرى خلف صيحات “لقد انتصرنا” سوف يعمي عنا إبصار المسارات المعقدة التي تقود منط أوسلو نحو تحقيق هدفين استراتجيين للكيان ولحلفائه: صرف الفلسطينيين عن هدف تحرير فلسطين كل فلسطين، والتنازل عن حق العودة، لنطرح السؤال الأساس: هل مازال الشعب الفلسطيني يمتلك فرص ووسائل تحقيق التحرير من النهر إلى البحر، أم أن المقاومة لا تمتلك اليوم من خيار سوى تحسين شروط التفاوض على مسار التسوية وفق الحدود القصوى لاتفاقية أوسلو؟ وهل نحن مازلنا بصدد “حرب تحرير”، أم هي محض معارك “تحريك” تنتهي بالمقاومة، حيث انتهت منظمة التحرير؟

في الوقت الذي كان الوفد الفلسطيني الموحد يفاوض في القاهرة، في الساعات الأخيرة من التهدئة المؤقتة، خرج الناطق باسم كتائب القسام ليبعث برسالة تقول بين السطور إن الكلمة الأولى والأخيرة في تجديد التهدئة المؤقتة هي لفصائل المقاومة، وتحديدا لكتائب القسام: الجناح العسكري لحماس، الذي يرفض تجديد الهدنة قبل تلبية الكيان لجميع مطالب المقاومة، وعلى رأسها رفع الحصار عن قطاع غزة.

الموقف مشروع لا غبار عليه، وقد يحمد للمقاومة، التي ينبغي أن تواصل الضغط على الكيان، وعلى الأطراف المشاركة في المفاوضات، حتى لا يسرق من أهل غزة ثمار صمودهم ومقاومتهم على البساط الأخضر، لكنه في الوقت ذاته يكون قد أربك المصريين، وحتى رئيس الوفد المفاوض السيد أحمد عزام، الذي اشتكى من محاولات القطريين والأتراك نسف المفاوضات، وحتى وإن لم يصرح به جهارا، فقد وجه لوما خفيا لحماس، التي تكون قد “خضعت لضغوطات قطرية تركية” تريد أن نسف مواصلة المفاوضات تحت سقف وحدة الصف الفلسطيني ووفده الموحد.

وكيفما قرئ الموقف الذي نقله الناطق باسم القسام، فإنه يطرح مجددا على الفلسطينيين ذات السؤال المعقد الذي طرح ويطرح على قيادات جميع حركات التحرر، وهو أكثر إلحاحا في القضية الفلسطينية، وأعنى به العلاقة بين السياسي والعسكري، ومن له الكلمة الأخيرة في قرار الحرب والسلم وقد حصل ذلك مع فتح وأذرعها العسكرية، ويطرح اليوم مع الفصائل في غزة، وكان قد حسم خلال ثورة التحرير الجزائرية في وقت مبكر في مؤتمر الصومام بجملتين: “أولوية السياسي على العسكري، وأولوية الداخل على الخارج مع اعتماد مبدأ القيادة المشتركة”.

والحقيقة التي لا ترد أن القيادات الفلسطينية، ومنذ ظهور حركة فتح مطلع الستينيات، لم تحسم بشكل مؤسساتي الموقف من العلاقة بين القيادة السياسية والعسكرية، ولا بين الداخل والخارج، وقد غطت الشخصية الكاريزمية القوية للمرحوم عرفات على هذا الضعف في القيادة الفلسطينية، الذي يشكو من خلل آخر أعظم وأخطر، له صلة بحسم الموقف من الهدف النهائي للنضال السياسي والعسكري للشعب الفلسطيني: تحرير فلسطين من النهر إلى البحر بالكفاح المسلح والنضال السياسي والدبلوماسي، أو البحث عن تسوية تفاوضية لتحرير الأراضي المحتلة في 67 لإقامة الدولة الفلسطينية. 

وحتى يومنا هذا، ونحن نتابع العدوان الصهيوني الرابع في ثماني سنوات على قطاع غزة، والعدوان المتواصل على الضفة بتوسيع الاستيطان، وتقطيع أوصال الضفة بالجدار العازل، يتواصل الجدل السياسي الساخن ما بين نهج التسوية السلمية وخيار العمل العسكري وتداعياته على واقع ومستقبل القضية الفلسطينية، بل على الصراع في المنطقة العربية، وإن كان هذا الجدل ما بين السياسي و العسكري ليس بالأمر المستجد، حيث صاحب الثورة منذ انطلاقتها الأولى، إلا أنه اكتسب هذه المرة خصوصية مع تثبيت الانقسام الفلسطيني بين “ضفة غربية” وقد خضعت للفريق المنغمس في خيار التسوية المتعثر، وقطاع غزة المتمسك بخيار المقاومة وقد نزل سقفها من تحرير الأرض إلى تحسين شروط التفاوض على قيام دولة فلسطينية على حدود 67.

وإذا كان المرحوم عرفات قد نجح إلى حد ما في تأجيل ساعة الحسم بين الخيارين، برفع شعار “غضن الزيتون  المعوم بالبندقية” وكان مهندس انتفاضة الحجارة، وابتعد عن الدخول في صدام مباشر مع بقية الفصائل المقاومة، وتحديدا مع حماس، فإن الضغوط الصهيونية والغربية، وضغوط دول محور الاعتدال العربي، قد انتهت بتقسيم الصف الفلسطيني، ونقلت الصراع من مواجهة المحتل إلى صراع فلسطيني ـ فلسطيني، اختطفته المحاور العربية والإقليمية كما هو حاصل اليوم، حتى أن العدوان الصهيوني الأخير على غزة لم يكن بدافع إضعاف “حماس” باستهداف البنية التحتية للمقاومة، وتفكيك منظومة الأنفاق، بقدر ما كان وسيلة لـ”تحريك” موقف سياسي مسدود، وفسح المجال أمام شركاء إقليميين جدد في إدارة الملف الفلسطيني.

علينا أن نتذكر أن عدوان 2008 قد نفذ في وقت كان فيه محور الاعتدال العربي يجتهد لتمرير مبادرة السلام العربية عبر تمرير مسار تسوية أوسلو، ووقف التمدد الإيراني على خلفية انجازات حزب الله خلال وبعد عدوان 2006، كما علينا أن نتذكر أن عدوان 20012 على غزة قد صادف وصول الإخوان إلى السلطة في مصر، وظهور حاجة أمريكية إلى اختبار “الحليف الجديد” والدور الذي قد يلعبه المحور الإقليمي التركي القطري، الشريك في فعاليات الربيع العربي.

(يتبع)

مقالات ذات صلة